وليد ج. هلال

فكل إنسان ينظر إلى الواقع من زاوية مختلفة؛ هذا يراه من خلال ثقافته، وذاك من خلال علمه، وآخر من خلال تجاربه أو معتقداته أو مصالحه أو حتى مهنته. لذلك نادراً ما نجد مقاربة تتوخى الحقيقة بقدر كبير من التجرد والحياد.
في الماضي، كان من يتصدر لإبداء الرأي غالباً شخصاً يمتلك خلفية علمية أو خبرة أو مقاماً اجتماعياً يؤهله للحديث في الشأن الذي يناقشه، بغض النظر عن مدى صواب رأيه أو خطئه. أما اليوم، فقد فتحت وسائل التواصل الاجتماعي المنابر للجميع، وهو أمر يحمل جانباً إيجابياً يتمثل في حرية التعبير، لكنه في المقابل ألغى الكثير من الضوابط التي كانت تميز بين المعرفة والانطباع.
أصبح كل شخص قادراً على أن يكون محللاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وطبيباً وخبيراً اجتماعياً في آن واحد، وكثيراً ما تتحول النقاشات إلى سيل من الآراء غير المستندة إلى علم أو خبرة. بل إن بعض الناس باتوا يجيدون تحليل النوايا أكثر من تحليل الوقائع، وتفسير الأحداث أكثر من فهم أسبابها الحقيقية.
المشكلة ليست في كثرة المتحدثين، فتنوع الآراء قد يكون مصدر غنى للمجتمعات، بل في غياب التمييز بين الرأي والمعلومة، وبين الانطباع والحقيقة، وبين الخبير ومن يدّعي الخبرة.
فالحقيقة لا تتغير بتغير عدد المؤيدين أو المعارضين لها، ولا تُقاس بعلو الصوت أو كثرة المتابعين، بل تُبنى على الوقائع والأدلة والمنطق.
وفي زمن الضجيج الإعلامي، ربما أصبحت الحكمة الحقيقية ليست في أن نتعلم كيف نتحدث أكثر، بل كيف نُحسن الاستماع، وكيف نبحث عن الحقيقة قبل أن نتبنى الرأي.


