العميد الركن مروان زاكي (م)
وهل يعتقد البعض أن رئيس الجمهورية كان سعيداً بالدخول في مفاوضات مع إسرائيل؟
في القضايا الوطنية الكبرى ، لا تُبنى القرارات على المشاعر ولا على الرغبات الشخصية ، بل على تقدير المصالح الوطنية والظروف التي يمر بها البلد . وعندما يكون الوطن مثقلاً بالدمار ، والناس بين قتيل وجريح ونازح ، تصبح الأولوية البحث عن أي طريق يوقف المعاناة ويمنع مزيداً من الخسائر .
قد يختلف اللبنانيون حول الخيارات السياسية ، وقد تتباين آراؤهم حول جدوى المفاوضات أو نتائجها ، لكن من الظلم اختزال الأمر وكأنه رغبة أو تفضيل شخصي . فالمسؤول الذي يرى شعبه مشرّداً وبلداته مدمّرة واقتصاده منهكاً ، يجد نفسه أمام واقع قاس يفرض البحث عن حلول ، حتى لو كانت من النوع الذي لم يكن أحد يتمنى الوصول إليه .
التاريخ مليء بأمثلة دول خاضت حروباً طويلة ثم جلست إلى طاولة المفاوضات عندما أدركت أن استمرار النزاع لن يحقق إلا المزيد من الخسائر . فالتفاوض ليس بالضرورة تعبيراً عن اقتناع سياسي بالطرف الآخر ، وسيلة لوقف نزيف الدم وحماية ما تبقى من الوطن .
إن معاناة اللبنانيين خلال السنوات الأخيرة ، وما رافقها من نزوح ودمار وخسائر بشرية ومادية ، تجعل أي مسؤول أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية تتمثل في السعي إلى تخفيف آلام الناس وإعادة الاستقرار إلى حياتهم . وفي مثل هذه الظروف تصبح الحكمة في اختيار أقل الخيارات كلفة على الوطن والمواطن .
وفي المقابل ، لا بد من الإشارة إلى أن بعض الأطراف ترفض أي مسار تفاوضي بالمطلق ، وتتعامل مع فكرة الحوار وكأنها خيار غير قابل للنقاش ، من دون أن تطرح بديلاً يوازي حجم الأزمة .
لعلّ أبسط ما يجب التسليم به أن رئيس الجمهورية ، بحكم موقعه ومسؤوليته ، يتحمل مسؤولية مباشرة عن حياة المواطنين وأمنهم واستقرارهم ، فيما تبقى المواقف السياسية والاعتراضات أقل كلفة من تحمّل تبعات القرار ونتائج الحرب .
فحماية الناس ليست شعاراً يُرفع ، بل مسؤولية تُمارس عندما تكون أرواح المواطنين ومستقبل الوطن على المحك .
لذلك ، قبل إطلاق الأحكام أو توزيع الاتهامات ، يجدر بنا أن نتذكر حقيقة بسيطة : عندما يصبح الشعب مشرّداً والوطن منهكاً ، فإن الضرورات تبيح المحظورات ، لا حبّاً بالمحظور ، بل حرصاً على الوطن وأبنائه .


