لم يعد النقاش اليوم كما كان في السابق، سعيًا إلى الحقيقة، واحتكامًا إلى العقل والمنطق والدليل والبرهان، وقبولًا بالرأي الآخر متى كانت حجّته أقوى.
بات المشهد مختلفًا تمامًا:
نحن على صواب وأنتم على خطأ…
نحن أهل الإيمان وأنتم أهل الضلال…
نحن نملك الحقيقة وأنتم لا تملكون سوى الجهل…
نحن إلى الجنة وأنتم إلى النار…
علماؤنا هم الأخيار، وعلماؤكم هم الأشرار…
وهكذا يتحوّل الحوار من مساحة للتفكير والتلاقي إلى ساحة للتخوين والإقصاء وإصدار الأحكام المسبقة.
وعندما يموت الشكّ البنّاء، ويُقتل السؤال، ويُصادر حق الاختلاف، لا يعود هناك نقاش حقيقي، بل أصوات متقابلة يرفض كلّ منها أن يسمع الآخر.
فالحقيقة لا يحتكرها أحد، والعقل لا ينمو إلا بالحوار، والأوطان لا تُبنى بمنطق “أنا أملك كل الحقيقة”، بل بالاعتراف بأن أحدًا ليس معصومًا عن الخطأ.


