عبد الهادي محفوظ
يحظى لبنان حالياً باهتمام دولي واقليمي خاص كونه في الآن نفسه عنصر تفجير لحروب مدمّرة او لهدوء مستتب ومخارج ديبلوماسية للحرب الاميركية-الاسرائيلية على ايران ولترتيبات جديدة في الشرق الاوسط لدوائر النفوذ به. صحيح ان واشنطن لعبت دوراً محورياً في لجم اندفاعة المواجهات العسكرية الاسرائيلية- الايرانية ومعها جهات دولية واقليمية. وهذا استتبع “حياداً اميركياً” بحيث رفض الرئيس الاميركي دونالد ترامب ما يريده رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو في استدراجه الى معاودة الحرب. غير أن المعادلة التي ارساها ابقت الوضع غامضاً. فطهران ربطت انهاء الحرب بوقف الاعتداءات على الجنوب.
واسرائيل بدورها اعتبرت انها تقصف الضاحية الجنوبية من بيروت في حال تعرّضت المستوطنات الاسرائيلية الى الصواريخ او مسيّرات حزب الله والمدفعية. وهذا يعني احتمالية كبيرة لمواجهة عسكرية قادمة بين ايران واسرائيل والى ارتباك في ثقة طهران بنوايا الرئيس الاميركي دونالد ترامب الفعلية الذي يردد باستمرار عن اقتراب تحقيق اتفاق نوايا والى كونه المنتصر باعتبار ان ايران لن تمتلك قنبلة نووية والى ان الاتفاق النهائي سيكون افضل من الاتفاق الذي اجراه الرئيس اوباما والى كون الحصار البحري اجدى في نتائجه من الحرب.
هذا ويكرر الرئيس ترامب بأنه حذّر بنيامين نتنياهو من انه في حال تكرار الحرب على ايران فانه سيبقى وحيداً ومن دون مشاركة اميركية بها وهو يعتقد بأن رئيس الحكومة لا يمكنه الا ان يقتنع بنصائحه وينكفئ عن التصعيد. لكنّ ايران تمتحن بدورها مدى جدّيّة الالتزام الاميركي بالخيار الديبلوماسي.
وهي تراهن على ضغوط الداخل الاميركي عليه وعلى تراجع شعبية الحرب وعلى الضغط الاقتصادي والمالي وانهيار البورصات العالمية بما فيها البورصة الاميركية وعلى تحكّمها بمضيق هرمز وباب المندب عبر حليفها الحوثي وعلى كون الاهداف الاميركية في الحرب على ايران لم تتحقق وعلى قدرة المفاوض الايراني في اضاعة الخصم في التفاصيل ومعرفته باصول المقايضات وما تقتضيه من بازار مع رئيس اميركي يستعجل الصفقات ولا يمتلك صبر الايراني وتأنّيه وادراكه بأن تشابك الازمات الدولية يعطي ايران مجالاً واسعاً للمناورة بعد ان اتاح للاعبين دوليين مثل روسيا والصين باقتحام المسرح التفاوضي وفتح الباب على تعدّدية قطبيّة مفتاحها طهران بدعم من دول المحور الاسلامي تركيا وباكستان ومصر والمملكة العربية السعودية والدول الآسيوية والتعارض بين المصالح الاميركية والاوروبية.
لا شك أن “توقيت” الامتحان الايراني للرئيس الاميركي دونالد ترامب هو توقيت ذكي في مضيق هرمز مع اسقاط طائرة اباتشي. وان كان هذا الحدث قد يكون ناتج عن ارتفاع منسوب التوتر وانه لم يكن مقصوداً بحد ذاته ما دفع الرئيس الاميركي الى اعتباره أمراً ليس جللاً أي ان الرد الاميركي يبقى محدوداً. فهذا توقيت يسبق “حالة هدوء” تحتاجها واشنطن في مباراة كأس العالم. فحتّى الآن لم يحصل بناء ثقة حقيقي يعمل عليه الوسيط قائد الجيش الباكستاني عاصم منير مع التعديلات المستمرة لمسودة اتفاق النوايا من جانب الرئيس ترامب. انما ليس من المفاجئ ان يسعى نتنياهو الى مغامرة عسكرية اسرائيلية مستفيداً من اختبار ايران للنوايا الحقيقية لسيد البيت الابيض الذي يمتلك خطاباً غامضاً بحروف لا تُقرأ كونه يبطن الغازاً محيّرة ويحتمل تفسيرات متعارضة.
بأية حال لا زال المشهد معقّداً على ضفاف المضيق وان كان المفاوض الايراني يزاوج ويزامن بين الخيارين الديبلوماسي والعسكري مع انه يؤثر “الاخراج السلمي” ذلك أن الطرفين الاميركي والايراني يحتاجان لتسويق الحل سواء العسكري او الديبلوماسي امام الداخل الاميركي والداخل الايراني وصولاً لمعادلة مزدوجة رابح هنا ورابح هناك ومع ذلك لا يمكن تلافي المفاجآت فطهران تسعى الى وضوح نهائي في موقف الرئيس ترامب قبل موعد الانتخابات النصفية للكونغرس رغم الاشارات الايجابية التي يبعث بها في تصريحاته نائب الرئيس الاميركي جي دي فانس حيث الحل الديبلوماسي يفتح له ابواب الرئاسة الاميركية.


