كان القديس شربل عاشقاً للانزواء والصلاة والصمت منذ طفولته، فاختار لنفسه مكاناً في الجرد العالي قرب غابة الأرز المقدسة، وتحديداً في مغارة طبيعية مؤلفة من صخرتين كبيرتين متكئتين إحداهما على الأخرى. وكانت تُعرف بقلعة “البحيص”، فيما يُطلق عليها اليوم اسم “قلعة القديس”.
لم يكن من الصعب عليه اكتشاف مثل تلك المواقع، إذ كان قد أصبح فتىً في الرابعة عشرة من عمره عندما راح يساعد أشقاءه في أعمال الحقل، كما كان يرعى أبقاره وأغنامه في ذلك المرعى الفسيح البعيد من مسالك الناس. هناك كان يقود قطيعه الصغير، مبتعداً عن تهكّم رفاقه الذين بدأوا يدعونه “القديس”، ولو على سبيل المزاح. وعوضاً من التلهّي معهم بأكل عرانيس الذرة المشوية واللعب، كان يلجأ إلى تلك المغارة النائية بعدما يزوّد بقرته بالتوصيات اللازمة: “هلق يا غزالي بدّك تقعدي عاقلي، أنا رايح صلّي”.
هناك كان يشعر بحرية أكبر وراحة أعمق. كان يخشع أمام الطبيعة، وأمام عظمة الخالق التي كانت تدفعه إلى السجود ساعات طويلة بفرح وغبطة أمام صورة العذراء، من دون أن ينسى حرق حفنة من البخور تكريماً لها.
ولا تزال تلك المغارة صامدة، وحيدة وسط طبيعة جردية قاسية. فمن ساحة القرية، حيث ينتصب تمثال مار شربل اليوم، تنعطف يساراً صعوداً لتسلك طريقاً غير معبّدة تحتاج إلى سيارة رباعية الدفع، وتستغرق الرحلة إليها ما لا يقل عن نصف ساعة. ومن هنا يمكن أن نتخيّل كم من الوقت كان الفتى القديس يمشي في الحقول ليصل إلى مغارته، وكم كانت حياته قاسية وصعبة ليبلغ القمة، أي قمة القداسة.
وكانت حالات انخطافه الروحي تزداد كلما اقترب من سن النضوج، ما أقلق نسيبته مريم التي كانت تحلم بالاقتران به، فراحت تسأل عنه رفاقه: “دخلكن يوسف وينو؟ حدا شافو؟”. فأجابها أحدهم: “مش عارفي حضرتك إنو ما حدا بيعرف وينو؟ يمكن راح ع مغارتو يقدّس ويصلّي، بكرا بياخدك معو عالسما…”.
كان قلب مريم معلّقاً به، أما قلبه فكان عند الله، مردداً أمام صورة العذراء في تلك المغارة: “دخيلِك يا عدرا، يا قديسة مريم، يا أمي بالسما… عندي فكرة حلوة، بس بالأول بدي شاور خوالي بمحبسة قزحيا”.
وهناك ازدادت رغبته في الاقتداء بهما واتباع نهج حياتهما. لقد أصبح يدرك غاية حياته: “أن يكون مع قربان المسيح قرباناً…”. ولم يعد في الدنيا شيء يستهويه.
ولم يتأخر في الاختيار. فقد أراد أن يهجر العالم ويرحل نحو دنيا جديدة، سواد الليل فيها أكثر نوراً من منتصف النهار.


