يسألني كثيرون لماذا لا أعلّق على الوضع اللبناني، وللأسف بات الجواب بسيطاً ومؤلماً في آنٍ معاً: ماذا عسى أن يُقال في وطنٍ ضاع فيه المنطق، واستفحل فيه نهج الطائفية البغيضة حتى بات معياراً يتقدّم على الحكمة والعدالة والمصلحة الوطنية؟
ماذا يُقال في بلدٍ تراجعت فيه قيم المواطنة، وتآكل فيه الإحساس بالمسؤولية العامة، وانحدر فيه الخطاب السياسي إلى مستويات غير مسبوقة من الشعبوية والتحريض والتبرير؟ وطنٌ انهارت فيه الكثير من القيم الإنسانية والأخلاقية التي كانت تشكّل أساس العيش المشترك، وغابت عنه رجالات الدولة الذين يقدّمون المصلحة العامة على مصالحهم الخاصة، ليحلّ مكانهم أشباه رجال يتخبّطون في إدارة الأزمات، ويعجزون عن الارتقاء إلى حجم المسؤولية الوطنية والتاريخية الملقاة على عاتقهم.
نعيش مرحلةً يبدو فيها أن التاريخ لم يعد يعلّم أحداً، وأن الجغرافيا لم تعد تفرض على أحدٍ قراءة المخاطر والتحديات التي تحيط بلبنان من كل جانب. الجميع يتحدّث، والجميع يُنظّر، والجميع يتبادل الاتهامات، فيما الدولة تتراجع، والمؤسسات تضعف، وثقة المواطن تتآكل يوماً بعد يوم.
ليس الصمت دائماً هروباً من المواجهة، بل قد يكون أحياناً موقفاً بحد ذاته. فعندما يصبح الضجيج أعلى من الحقيقة، والمزايدات أعلى من الحكمة، والكلام بلا أثر أو مسؤولية، يصبح الصمت أبلغ من الكلام، والتأمل أصدق من المشاركة في جوقة لا تريد أن تسمع إلا نفسها.
يبقى الأمل بأن يستعيد لبنان يوماً منطق الدولة، وأن تعود إليه قيادات تمتلك الشجاعة والرؤية والصدق، فتضع حداً لهذا الانحدار المستمر، وتعيد للوطن شيئاً من هيبته ولمواطنيه


