العميد الركن مروان زاكي(م)
من يشاهد بعض البرامج الحوارية التفاعلية في لبنان ، وتحديداً مش مسرحية ، والتي تقوم على استضافة شباب من خلفيات مختلفة وفتح النقاش أمامهم بلا ضوابط ، يخرج أحياناً بانطباع صادم . كم هي الطائفية حاضرة في طريقة التفكير ، وكم هي متجذّرة في ردود الفعل السريعة .
لكن هل هذه البرامج تصنع الطائفية ، أم تكشفها ؟
ما نراه على الشاشة ليس جديداً . إنه انعكاس لسنوات طويلة من التربية السياسية والاجتماعية التي جعلت الانتماء الطائفي يسبق الانتماء الوطني ،
فيُنظر إلى كل حدث ويُفسَّر انطلاقاً من جوهر الطائفة .
ويشكّل عدسة تفسير لكل حدث ، وكل أزمة ، وكل خلاف . لذلك ، عندما يُطلب من شاب أن يعبّر فوراً وبعفوية ، تظهر تلك البنية الذهنية التي تشكّلت في المدرسة والبيت والشارع والإعلام والسياسة معاً .
غير أن الصورة ليست واحدة ولا مكتملة . فكما تكشف هذه البرامج أصواتاً حادة وطائفية ، فإنها غالباً لا تعكس بالقدر نفسه الأصوات الشابة التي تجاوزت هذا القاموس ، أو تحاول كسره بصعوبة . هناك جيل آخر يفكر خارج الاصطفاف ، لكنه أقل حضوراً في لحظات الاستفزاز الإعلامي وأكثر ميلاً إلى التعبير الهادئ أو الفردي ، لا إلى المواجهة التلفزيونية .
لذلك ، لا يمكن إغفال دور الإعلام نفسه . فبعض هذه البرامج لا تبحث عن النقاش ، بل عن الصدمة ، وعن اللحظة التي تتحول فيها الآراء إلى مادة جدل واشتباك . وهنا يصبح الخط الفاصل دقيقاً بين نقل الواقع وتضخيمه ، بين كشف المرض وإعادة إنتاجه .
ان ما يظهر على الشاشة ليس لبنان كله ، لكنه أيضاً ليس وهماً . إنه جزء من حقيقة مركّبة . بلد ما زال يعيش بين إرث طويل من الانقسام الطائفي ، وبين محاولات بطيئة وخجولة لتجاوزه . وبين هذين الحدّين ، تبقى مسؤولية الوعي أكبر من مسؤولية العرض ، لأن المشكلة ليست فقط في ما يُقال ، بل في كيف ولماذا أصبح القول نفسه بهذه الصيغة .


