العميد الركن مروان زاكي (م)
في كل مرة يتصاعد فيها التوتر على الحدود الجنوبية ، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة :
أين الجيش اللبناني؟ ولماذا لا يتحرك لحماية الأرض وردع الاعتداءات؟
لكن قبل طرح السؤال ، ربما يجب طرح سؤال آخر أكثر عمقاً وواقعية :
هل تملك الدولة أصلاً قرار الحرب والسلم ؟
لبنان اليوم دولة ضعيفة بكل معنى الكلمة ، اقتصاد منهار ، وانقسام سياسي حاد ، ومؤسسات تعاني من الشلل والتآكل . أما الجيش اللبناني ، فرغم ما يملكه من انضباط وتضحيات ، فهو يعمل ضمن إمكانات محدودة جداً ، في ظل غياب قرار سياسي موحد واستراتيجية وطنية واضحة .
المفارقة أن بعض القوى تذهب إلى المواجهة ، أو تفتح باب التصعيد والحرب ، ضمن حسابات تتجاوز الدولة دائماً ، ثم عندما تتعقد الأمور ويكبر الخطر ، يعود السؤال فوراً : أين الجيش؟
وكأن المؤسسة العسكرية مطالبة وحدها بتحمّل نتائج قرارات لم تكن هي صاحبة القرار فيها أصلاً .
هذا لا يعفي الدولة من مسؤوليتها ، ولا يعني أن الجنوب يجب أن يبقى مكشوفاً أمام الاعتداءات الإسرائيلية ، لكن النقاش الحقيقي يجب أن يبدأ من أصل المشكلة : لا يمكن بناء دولة قوية فيما قرار الحرب عند حزب الله ، ولا يمكن في الوقت نفسه مطالبة الجيش بأن يكون الحل السحري لكل أزمة .
الجيش يستطيع أن يحمي ويضبط ويعزز حضور الدولة عندما تكون هناك إرادة سياسية ورؤية وطنية موحدة . أما حين تكون الدولة نفسها منقسمة وعاجزة ، فإن السؤال يتحول من أين الجيش؟ إلى : أين الدولة أصلاً؟
لبنان لا يحتاج فقط إلى بيانات تنديد أو سجالات داخلية ، بل إلى مشروع وطني حقيقي يعيد القرار السيادي إلى مؤسسات الدولة ، ويمنع تحويل البلد مرة جديدة إلى ساحة مفتوحة للحروب والصراعات الإقليمية . لأن أخطر ما في المشهد ليس فقط ضعف الدولة ، بل الاعتياد على هذا الضعف ، ثم مطالبتها لاحقاً بالقيام بما يفوق قدرتها وثم تحميل الجيش والدولة مسؤولية الاحتلال والانهيار الأمني والعسكري ، رغم أن قرار المواجهة اتُّخذ خارج مؤسسات الدولة نفسها .


