عندما زارت رئيسة الحكومة اليابانية ساناي تاكايتشي الولايات المتحدة الأميركية والتقت بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض فاجأته بسؤال ’’لماذا لم تبلغنا واشنطن مسبقا بالحرب التي شنتها على ايران‘‘ فكان جوابه لا يقل مفاجأة ’’فعلنا ما قامت به اليابان عندما شنت هجوما بالطائرات الحربية على ميناء بيرل هاربور خلال الحرب العالمية الثانية ودمرت سفنا للأسطول الأميركي ولم تبلغنا بالأمر‘‘.
الأجوبة من ’’التاريخ‘‘ حاضرة في ذهن الرئيس دونالد ترامب وأجوبته فيها الكثير من الغموض وتذهب باتجاهات مختلفة وتفسيرات تحمل معاني مربكة مقصودة.
فقد حصل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على معرفة موقع ايران من تخصيب اليورانيوم والحل للفائض منه فأصبح ورقة في يده يعترض في الشكل عليها. ويريد حاليا من زيارته للصين والقمة التي جمعته مع الرئيس الصيني شي جين بينغ الحصول على مرونة ايرانية تعطيه مكسبا في مضيق هرمز يحقق فيه شيئا من الأهداف التي لم تنجح الحرب في إنجازها.
فالرئيس ترامب يدرك أن الصين تستخدم مضيق هرمز للحصول على النفط الايراني والخليجي. وقد يكون في أحد أهدافه من الحصار البحري للمرافئ الايرانية هو قطع إمدادات النفط الايرانية والخليجية للصين كورقة ضغط مزدوجة الأبعاد على بكين وطهران في آن معا.
إنما الصين تتعاطى ببرودة مع هذا الضغط إدراكا منها أن السبب الفعلي لإغلاق المضيق ايرانيا والتحكّم بحركة الناقلات منه كانت الحرب الأميركية – الاسرائيلية على ايران التي خالفت فيها واشنطن وتل أبيب القوانين الدولية. ومن هنا تربط بكين أي مطالب أميركية بخصوص مضيق هرمز بالإستجابة للصين بإنهاء الحرب وبوقف دائم للنار على كل الجبهات وبتعويض ايران عن كلفة الحرب غير العادلة وبالإفراج عن الودائع والأصول الايرانية وبرفع العقوبات والحصار عن الموانئ الايرانية وبالعودة إلى المفاوضات المباشرة والوصول إلى ’’اتفاق إطار‘‘.
وعندها تكون بكين هي وموسكو الضامن لما تنتهي إليه المحادثات اللاحقة بين نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس ومحمد باقر قاليباف رئيس مجلس الشورى الايراني وخصوصا في موضوع عدم امتلاك ايران لسلاح نووي.
والملاحظ أن كثرة الحديث الأميركي عن حؤول واشنطن دون امتلاك ايران لسلاح نووي هو تحوّل في سقف أهداف الحرب الأميركية سواء في ’’تغيير النظام أو الصواريخ الباليستية وصفر تخصيب لليورانيوم والتخلي عن الأذرع الايرانية…‘‘. من هنا ’’الإشارات‘‘ الإيجابية التي أطلقها جيه دي فانس للمسار الديبلوماسي وحصر الكلام بالسلاح النووي علما بأن واشنطن متيقنة بأن القيادة الايرانية ملتزمة بفتوى الإمام علي خامنئي بتحريم السلاح الننوي دينيا.
الرهان الأميركي على أخذ الصين إلى حيث تريد واشنطن في الضغوط على ايران هو أمر مبالغ فيه وفي غير مكانه. إذ من الصحيح أن اتصالات صينية – ايرانية جرت قبل القمة لاستيضاح حدود الإستجابة للضغوط الهادئة الممكنة.
إلا أن التوجه الصيني الحقيقي يرتبط بأولوية العلاقة الاستراتيجية بين بكين وطهران وبالشراكات الإقتصادية والتجارية وبسوق العمل وبطريق الحرير بين غرب آسيا وأوروبا والعالم الذي يعبر بالجغرافيا الايرانية وكذلك بمعرفة النوايا الأميركية بتأخير الصعود الاقتصادي والمالي للصين والنظرة إليها على أنها في أحسن الأحوال ’’دولة توتاليتارية‘‘ تضغط عليها واشنطن من خلال تايوان والهند وفي بحر الصين وأسواق أفريقيا. وهذه الحسابات الصينية هي ما يجعل أن مساعيها إلى وقف الحرب هي لكون ايران تخوضها بشكل غير مباشر نيابة عنها.
ومن هنا وخلال ’’قمة بكين‘‘ كانت الديبلوماسية الصينية على تواصل مستمر مع الوسيط الباكستاني لمعرفة الحدود التي يمكن أن تذهب إليه في مضيق هرمزمع الرئيس دونالد ترامب وبربط مدروس مع تايوان وبحر الصين ومستقبل العلاقات الأميركية الصينية في جوانبها المختلفة. وهكذا ليس من قبيل المصادفة أن موضوع ايران كان الموضوع الأول مثله مثل موضوع تايوان صينيا في القمة.
ومع ذلك توحي الصين لترامب بأنها يمكن أن ’’تعطيه شيئا‘‘ في مضيق هرمز بمردود مالي يبحث عنه الرئيس دونالد ترامب. ولكن تترك هذا الأمر لوقت لاحق حتى لا تكرر ما قامت به موسكو عندما كشفت ورقة معالجة ’’تخصيب اليورانيوم والفائض منه‘‘ للرئيس الأميركي في مهاتفة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وسيد البيت الأبيض.


