عارف العبد

ليس جديداً القول إن حزب الله بالرغم من أنه حزب أيديولوجي يستند إلى العقيدة الدينية والإيمانية، لكي يحافظ على تماسكه ويستقطب جمهوره ومحازبيه، لكنه في الحقيقة وفي الوقت نفسه هو عبارة عن جسم سياسي مرن، قادر على تغيير لهجته ومقاربته وأقواله بالسرعة المطلوبة للوصول إلى هدفه وتحقيق ما يريد في الداخل اللبناني. وهو قادر على التعلم والتقدم والتراجع في الكلام، وإجراء المناورة اللازمة والمطلوبة في الانقلاب والتكتيك وتغيير الخطط، بما يخدم الوصول إلى مراده.
والحزب بقيادته، المعممة أو الملتحية، جاهز للانقلاب من اليمين إلى اليسار ومن التصعيد إلى التهدئة، مع المناورة اللازمة للوصول إلى أهدافه.
كل ذلك ممكن، طالما الأمر يتصل بالعلاقة مع القوى والواقع السياسي اللبناني. لكن ذلك بطبيعة الحال غير ممكن في العلاقة مع إيران. فكل ما تقوم به إيران، والولي الفقيه، مقبول ومشكور ومحمود ومقبول ومطاع. وكل ما تقوم به السلطة في لبنان مزموم ومرفوض.
فحين طرحت الحكومة حصر السلاح بيد الدولة، وحظرت أعمال الحزب العسكرية. قال أمين عام الحزب بصراحة إن سلاحنا لن نسلمه مهما عظمت الضغوط. وأعلن أنه سيخوضها معركة كربلائية للحفاظ على هذا السلاح. و”أكبر ما في خيلكم اركبوه”، ولن نسلم سلاحنا أو نفكر في الأمر بتاتاً، مهما كانت الظروف. وهو بذلك يقول للحكومة وأدواتها الأمنية تفضلوا واستلموا السلاح بالقوة إذا أردتم! مع ما يعني ذلك من احتمالات لحروب أهلية وداخلية.
وهو بعد أن أعلن عن مرحلة “أولي البأس” لتبرير وتغطية التصدي لإسرائيل، انتقل بعد ذلك إلى “العصف المأكول”.
“أولي البأس” كانت تعني الصمود بعد نكبة حرب الإسناد بكل تفاصيلها وتداعياتها، والاستمرار في المقاومة والمواجهة لإسرائيل. وبعدها انتقل للتلميح إلى أن المستوطنات الإسرائيلية لن يصيبها الهجوم وهي ستكون بأمان، ولن يقترب منها أحد.
سرعان ما بدل من خطابه مع اندلاع الحرب الأميركية على إيران بإعلان “العصف المأكول” ثأراً للدم الزكي للإمام الخامنئي، ثم عاد وألحقه بالدفاع عن لبنان من الاعتداءات المستمرة من أكثر من خمسة عشرة شهراً!
تبديل للمواقف والمبررات، كما يبدل الثياب والأغطية أو أي أمر هامشي.
هذا الأسلوب في المناورة والمماحكة ليس جديداً، بل هو اقتباس ونسخ للأسلوب الإيراني، في التفاوض والمناورة. والذي لا يمكن تجاهل أنه طويل الباع ومفيد في أحيان كثيرة.
وإذا كانت الحكمة الإيرانية تقول بقتل الثعبان الذي يدخل المنزل بيد عدوك، فإن الحزب الذي تشرب الأفكار الإيرانية، لا يبتعد عن هذا الأسلوب كثيراً بل يتبناه ويجهد لتمثيله وتطبيقه.
لنأخذ بالاعتبار آخر موقفين لأمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم. وهو بعد أن صعّد وكاد يقطع كل الخطوط مع السلطة اللبنانية، قال في أخر مواقفه: “إن مسؤولية التفاوض لتحقيق أهداف لبنان السيادية تقع على عاتق السلطة اللبنانية” (مع استعداد الحزب للتعاون لتحقيق سيادة لبنان بإيقاف العدوان الإسرائيلي براً وبحراً وجواً، وتحرير الأرض بخروج الجيش الإسرائيلي من الأراضي المحتلة وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وتحرير الأسرى، وعودة السكان إلى قراهم، وإعادة الإعمار)!
الشيخ قاسم في هذا الموقف، يكون كمن يرمي أمام السلطة والحكومة اقتراح التشارك في المعالجة، بعد أن كان أطلق العنان لكثير من شخصيات حزب الله بإطلاق التهديدات بالقتل والانقلاب، والتلميحات الكثيرة عن أنور السادات، وغير السادات. بعد أن اشار إلى أهمية المفاوضات الإيرانية الأميركية، باعتبارها المصدر الأساسي للترياق والحلول للبنان والمنطقة.
استند قاسم في مواقفه وتسلح بالتهديد الشهير الذي صدر عن مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي لرئيس الحكومة نواف سلام، ومن ثم إشارته الواضحة التذكيرية الدالة إلى الشهيد رفيق الحريري، الحاملة لأكثر من معنى وهدف في هذا التوقيت.
ويكون قاسم قد ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد. حيث رفع سقفه وتهديده، وشد عصب مجموعته، وجماعته وحزبه، ثم عاد ملوحاً طارحاً احتمال المساعدة والتعاون إذا سمحت الظروف.
لكن هذه المناورة التي أتقنها قاسم، أكملها من الجهة الأخرى الحاج محمود قماطي. فبعد أن كان هدد الحكومة والبلاد بالعودة إلى الانقلاب والتمرد الشعبي المسلح، في أكثر من موقف، ذهب في الأيام الماضية إلى محاولة ضرب إسفين وتوسيع الهوة بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب، وفي الوقت عينه، إثارة ونشر أكبر قدر من التحريض الطائفي والمذهبي. وذلك عبر تركيزه على طرح جانب جديد من الأزمة، يقول ويلمح إلى أن رئيس الجمهورية تجاوز الطائفة الشيعية، من خلال تجاوزه رئيس مجلس النواب في التبني الدعوة إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، حيث قال مخاطباً رئيس الجمهورية جوزاف عون: “بأي حق تأخذ لوحدك قرارًا يتعلق بمصير لبنان، وتخالف الوحدة الوطنية والدستور والقوانين والعزة والكرامة ودماء الشهداء وتضحياتهم”.
في الواقع إن الرئيس عون تصرف وفقاً لأحكام الدستور، من دون أن يتجاوز أحد في الدولة، بالرغم من أنه قد يكون قد تسرع في اتخاذ القرار الذي هو حق دستوري له، ولم يتجاوز فيه أحد كما يحرض ويشير قماطي، الذي لا يتذكر الدستور بتفسيره الأعوج والناقص، إلا حين يهدف إلى التحريض الطائفي والمذهبي.
والحزب بقادته لا يتذكر الدستور إلا حين يريد القفز فوقه، أو إسقاط ومعارضة ما يتخذ من قرارات لا يريدها، وهو بذلك يستعمل الدستور ويتذكره حين يريد، لا حين يكون الأمر واجباً وضرورياً.
والغريب أن الحزب وقادته، لا يعتبرون أن قرار مشاركته في حرب إسناد غزة بمفرده تجاوزاً لأحد، ولا قرار حرب مساندة إيران أنه خروج عن الإجماع الوطني!
لكن أن يقدم أي مسؤول حكومي لبناني على اتباع الدستور، وما تقوله القوانين من دون موافقتهم أو رضاهم، يكون مخالفاً ومتجاوزاً، من دون التوقف أمام قرارات دمرت البلاد واقتصاده وجنوبه وشردت مواطنيه ودمرت قراهم وبنيانهم وعرضتها للاحتلال والجرف والإفناء والمسح والتجريف ورمتهم على الطرق والأرصفة


