العميد الركن مروان زاكي (م)
المشكلة ليست في أن يتكلم اللبناني ، فالحوار في الأصل علامة صحة وحيوية ، والمجتمعات الحية تُقاس بقدرتها على النقاش لا بالصمت المفروض عليها . لكن ما نشهده في كثير من البرامج ليس حواراً وطنياً بقدر ما هو إعادة إنتاج للاصطفافات الطائفية على الهواء مباشرة .
كل طرف يتحدث من خندق طائفته ، لا من موقع المواطن ، فتتحول القضايا الوطنية إلى سجالات مذهبية ، ويصبح الانتماء للطائفة أقوى من الانتماء للدولة .
المؤلم أن بعض مقدمي البرامج يصرّون على تقديم هذا المشهد وكأنه دليل ديمقراطية ، فيما هو تعميم للانقسام وتطبيع مع التشرذم . فحرية التعبير لا تعني حرية التحريض ، ولا تعني فتح الهواء لكل أشكال التوتر والانفلات تحت شعار الرأي والرأي الآخر .
قلة فقط تتحدث بلغة وطنية جامعة ، لأن الدولة نفسها غائبة . والحكم الصالح لا يقوم على الانتخابات والشعارات ، بل بما يحقّقه المسؤولون فعلياً من عدالة ، ومؤسسات ، وخدمات ، واحترام للقانون وحقوق الناس .
فالانتخابات قد تُنتج سلطة ، لكنّها وحدها لا تضمن حكماً صالحاً ، فالشعارات قد تجذب الناس ، لكنّها لا تبني دولة إذا غاب العمل الحقيقي نزاهة وكفاءة . الدولة الصالحة تضع حدوداً واضحة بين الحرية والفوضى ، بين النقد والتحريض ، وبين التعبير المسؤول والتجييش الطائفي .
عالمنا العربي ، ولبنان خصوصاً ، لا يحتاج إلى قمع الناس ، بل إلى ضبط يحمي المجتمع من النزف الدائم . فحين تغيب المرجعية الوطنية والقانون العادل ، تتحول المنابر إلى ساحات تعبئة ، ويصبح الإعلام مرآة للانقسام بدل أن يكون مساحة لبناء الوعي .
الدولة الحقيقية ليست تلك التي تُسكت الناس ، بل التي تمنع سقوطهم في الفتنة ، وتعيد المسؤوليات إلى نصابها ، بحيث يشعر المواطن أنه ابن وطن لا مجرد فرد في طائفة .


