العميد الركن مروان زاكي (م)
قال أحد السياسيين المخضرمين : نحنا اللي استعجلنا على مفاوضات السلام .
جملة تختصر جانباً كبيراً من المأزق اللبناني في مقاربة الحروب ، حيث يتحول السعي إلى وقف النار إلى تهمة ، وكأن طلب النجاة صار ضعفاً ، فيما يصبح استمرار النزف نوعاً من البطولة والنصر .
ماذا يعني استعجال السلام في لحظة تُهدم فيها المدن والقرى ، ويتشرد الناس ، وتتآكل مقومات الدولة والمجتمع؟
هل المطلوب أن ينتظر الشعب اكتمال الخراب حتى يُسمح بالحديث عن التسوية؟ وهل يصبح وقف المجازر والتخفيف من الخسائر نوعاً من التراجع السياسي أو الأخلاقي؟
الأكثر مرارة أن كثيراً من الحروب في منطقتنا لم تعد تُدار بالكامل وفق المصالح الوطنية الخالصة ، بل باتت مرتبطة بمحاور وصراعات إقليمية ودولية ، بحيث يتحول الداخل أحياناً إلى ساحة تنفيذ لحسابات الخارج . وهنا تصبح الكلفة مضاعفة . شعب يدفع الثمن ، ودولة تنهار ، فيما القرار الفعلي ليس بالداخل اللبناني .
فإذا كنا ننفذ أوامر خارجية أو نربط مصيرنا بمشاريع الآخرين ، فلماذا يُطلب من الناس وحدهم أن يتحملوا نتائج هذا الاستنزاف المفتوح؟
ولماذا يصبح الحديث عن وقف النزف وكأنه خيانة ، فيما التبعية ذاتها لا تُناقش بالجرأة نفسها؟
في الحروب ، لا تُقاس المواقف بالشعارات وحدها ، بل بحجم الكلفة البشرية والوطنية . فحين تدخل المجتمعات مرحلة الاستنزاف المفتوح ، يصبح البحث عن مخرج سياسي ضرورة لا ترفاً . لأن الأوطان لا تُبنى فقط على الصمود ، بل أيضاً على القدرة على حماية الناس ومنع تحويلهم إلى وقود دائم للصراعات .
صحيح أن بعض اتفاقات السلام في التاريخ فُرضت تحت الضغط ، وبعضها حمل تنازلات مؤلمة ، لكن الصحيح أيضاً أن الحروب الطويلة غالباً ما تنتهي إلى الطاولة نفسها التي كان يمكن الوصول إليها قبل سنوات من الخراب . عندها يكتشف الجميع أن الدماء كانت أغلى من الحسابات ، وأن المدن والقرى التي لم تكن مجرد أرقام في نشرات الأخبار .
المعضلة الحقيقية ليست في السلام بحد ذاته ، بل في نوع السلام وشروطه وموازين القوى التي تحكمه ، وفي قدرة الدول على امتلاك قرارها الوطني بعيداً عن الارتهان والتوظيف الخارجي . لأن السلام الحقيقي لا يكون مجرد هدنة مؤقتة ، بل استعادة للدولة ولدورها ولمعنى السيادة الفعلية .
قد يكون الخطأ أحياناً في استعجال تسوية ناقصة ، لكن الخطأ الأكبر هو الاعتياد على الحروب وكأنها قدر دائم ، وعلى الخراب وكأنه ثمن طبيعي لسياسات لا يملك الناس أصلاً قرارها .


