تغيّرت الجغرافيا وتبدّلت العناوين ، لكن تعريف النصر بقي على حاله : لا يُحسم في الميدان بقدر ما يُعلَن عند وقف إطلاق النار . هناك ، عند لحظة الصمت ، تبدأ رواية أخرى ، يُعاد فيها تفسير ما جرى ، ويُرفع ما أمكن إلى مرتبة الإنجاز ، ولو كان الواقع أكثر قسوة .
في هذه المرّة ، لم تأتِ الحرب كاعتداءٍ مفاجئ يُجمِع عليه الناس ، بل كإمتداد لحروب أُريد لها أن تكون مساندة أو ثأراً خارج حساب الدولة . وهنا يكمن جوهر المأساة : حين تُخاض المعارك لأسباب لا يملك الناس قرارها ، تصبح نتائجها أثقل عليهم من قدرتهم على الاحتمال .
لو كانت إسرائيل هي البادئة وهي ليست بحاجة إلى سبب ، لكان المشهد مختلفاً ، ولكان التضامن أوسع ، ولكان الشعور واحداً . كنّا سنقف معاً . لكن حين تختلط البدايات وتضيع المسؤوليات ، يتراجع الإجماع ، ويبقى المواطن وحيداً في مواجهة الخسارة .
في الميدان ، الصورة لا تحتاج إلى تفسير : قرى مدمّرة ، بيوت سُوِّيت بالأرض ، وعائلات خرجت من حياتها قسراً . الخسارة هنا ليست خطاباً ، بل واقعاً يومياً يُعاش بكل تفاصيله . ومع ذلك ، يُطلب من الناس أن يروا في كل ذلك نصراً .
المشكلة ليست في حق الدفاع عن الأرض ، بل في تعريف النتيجة . حين يتحوّل كل توقف للنار إلى انتصار ، نفقد القدرة على التمييز بين ما ربحناه وما خسرناه . تصبح الحرب إدارة أزمة لا حلّاً لها ، وتدويراً للصراع لا إنهاءً له .
في السياسة، يُستثمر “النصر” سريعاً، بينما يبقى من دفع الثمن خارج الحسابات. من كان تحت النار لا يملك رفاهية إعادة التعريف. هو يعرف تماماً ما خسره، حتى لو قيل له غير ذلك.
وإذا استمررنا في هذا النوع من “الانتصارات”، فنحن لا نقترب من النهاية، بل نمهّد لمعركةٍ أخرى. وعندها، قد لا يبقى ما يمكن تسميته خسارة… لأننا نكون قد خسرنا كل شيء.
خسارة أرض، وتشريد، وبيوت مهدّمة… هذا ما نسمّيه انتصاراً


