لبنان لا يعاني من نقص في الشعارات ، بل من فائض في الهروب . نبحث عن المشكلة لا عن الحل ، وعن الذريعة لا عن المسؤولية .
منذ إعلان دولة لبنان الكبير ، لم يتحوّل هذا الكيان إلى دولة مكتملة ، بل بقي مساحة مفتوحة على صراعات الآخرين ، وعلى تناقضاتنا نحن قبلهم . نرفع رؤوسنا إلى التاريخ لنستعير مجداً من الفينيقيين ، ونمدّ أعيننا إلى الخارج ، مرة إلى فرنسا ، ومرة إلى إسرائيل ، لنجد في الخارج تفسيراً دائماً لتعثر الداخل .
وفي محطات لاحقة ، امتدّ هذا الارتهان إلى قوى إقليمية ودولية ، تُستدعى تارة لاستعادة الحقوق ، وتارة أخرى لتثبيت توازنات تتجاوز منطق الدولة نفسها . ومع الوقت ، صار الخارج جزءاً من سرديتنا الداخلية ، لا مجرد عامل مؤثر فيها .
حتى النقاشات حول صيغ الحكم ، من الطائف إلى المثالثة إلى ما سواها ، تبدو في كثير من الأحيان تعبيراً عن أزمة أعمق ، أزمة تعريف الدولة نفسها ، لا توزيع حصصها فقط .
لكننا نادراً ما نلتفت إلى الداخل ، حيث تكمن العقدة الحقيقية . عجزنا عن تعريف أنفسنا كوطن ، لا كمجموعات متجاورة ننتظر الفرصة لنختلف . فالمشكلة ليست في الجغرافيا ولا في المساحة ، بل في غياب فكرة الدولة الجامعة التي تعلو على الانتماءات الضيقة .
لبنان ، لم يفشل لأنه متعدّد ، بل لأنه لم يُحسن إدارة تعدديته . التنوّع تحوّل من فرصة إلى ذريعة ، ومن غنى إلى سلاح . كل جماعة تبحث عن حماية خارجية ، وكل زعامة تبني شرعيتها على الخوف لا على المواطنة . وهكذا يصبح الخارج شريكاً دائماً في الداخل .
القول إننا لا نستحق هذا الوطن قد يبدو قاسياً ، لكنه يلامس حقيقة موجعة ، نحن لم نحسم بعد خيارنا بأن نكون شعباً واحد اً. ما زالت الطائفة تتقدّم على الدولة ، والمصلحة الخاصة على الصالح العام ، والقوة على القانون .
وفي ظل هذا الخلل ، يتحوّل أي استقرار إلى هدنة مؤقتة .
الدول لا تُبنى بالهوية وحدها ، بل بالفعل السياسي المستمر . ولبنان لا يُنقذ بالحنين إلى الماضي ، ولا بالارتهان للخارج ، بل بقرار داخلي واضح يعيد الاعتبار لفكرة الدولة .
من دون ذلك ، سنبقى نبحث عن المشكلة لأننا نحتاجها ، ونؤجّل الحل لأننا نخشاه .


