رحم الله الرئيس أنور السادات الذي كشف المستور وتجرّأ على تبيانه ، لم يكن ذهابه إلى القدس عام 1977 خطوة عابرة ، ولا توقيعه معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 تفصيلًا في سياق الأحداث ، بل لحظة مفصلية انتقل فيها القرار من السرّ إلى العلن ، ومن التردّد إلى الحسم ، لا ليُجمّل الواقع بل ليضعه أمام اختبار القرار .
ومن حسنات هذه المعاهدة ، بمعيار الدولة ، أنها أفضت إلى استعادة الأرض ووفّرت كلفة الجهد الحربي المستنزِف ، وإن ظلّ الجدل قائماً حول أثمانها السياسية .
أما في لبنان اليوم ، فالمشهد أكثر تركيباً ، لكنه ليس خالياً من مؤشرات دولة .
فـرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة تبنّيا خيار التفاوض مع إسرائيل وفتح قنوات الاتصال ، في محاولة لإعادة الإمساك بخيط القرار من داخل المؤسسات ، لا من خارجها . هذه ليست خطوة كافية ، لكنها إشارة إلى أن فكرة الدولة لم تسقط بالكامل .
يبقى موقف رئيس مجلس النواب . فإذا التقى هذا الموقع مع مسار الرئاسة والحكومة ، يمكن أن يتكوّن مسار دولة كحدّ أدنى من التلاقي بين السلطات الدستورية على هذه الأزمة ، يفتح الباب أمام قرار أكثر تماسكاً .
وهنا تصبح المقارنة أدقّ :
في زمن السادات ، وُجد قرار واحد فاختلف عليه الناس .
في لبنان ، قد يبدأ التغيير حين يلتقي المختلفون على إنتاج قرار واحد .
الفارق ليس فقط في الجرأة ، بل في القدرة على جمع المؤسسات حول اتجاه واضح .
فالدولة لا تُقاس فقط بمن يجرؤ على القول ، بل بمن يستطيع أن يحوّل القول إلى مسار .


