في مشهدين متقابلين ، تتكرّس في لبنان ظاهرة باتت أكثر خطورة من الخلاف السياسي .
وتحويل السياسة إلى صراع مباشر ، يُدار في الشارع .
في المشهد الأول ، تُوضع صورة رئيس الحكومة نواف سلام على الطرقات ، لتتحوّل إلى مادة للتجاوز والدوس من قبل عناصر واليات .
وفي مشهد آخر ، تُحرق صور لنعيم قاسم ومجتبى خامنئي ، في تعبير صادم عن الرفض الذي يتجاوز السياسة إلى إلغاء الحضور .
ورغم اختلاف الجهات ، فإن المشهدين يلتقيان في نقطة واحدة . الانزلاق من مساحة الاعتراض السياسي إلى مساحة الاستفزاز ، حيث تصبح الصور بديلاً عن الخطاب ، والفعل الصادم بديلاً عن النقاش .
المشكلة ليست في اختلاف المواقف ، بل في طريقة التعبير . فحين تُختزل السياسة بصورة تُداس أو تُحرق ، يكون المعنى أعمق من مجرد احتجاج .
إنه مؤشر على اهتزاز فكرة الدولة كإطار جامع ، وعلى تراجع الإيمان بأن الخلاف يمكن أن يُدار داخل المؤسسات بدل الشارع .
لبنان لم يصل إلى هذا المشهد من فراغ ، بل عبر مسار طويل من الأزمات المتراكمة ، والانقسامات السياسية والطائفية التي تحولت تدريجياً إلى هويات مغلقة .
ومع ضعف الدولة وتآكل ثقة الناس بها ، صار الشارع هو ساحة التعبير البديلة ، وصارت الصور هي اللغة الأسرع والأكثر انفعالاً .
لكن خطورة ليست بإظهار الانقسام ، بل في تعميمه . فكل طرف يرى في فعل الطرف الآخر استفزازاً إضافياً ، يدفع نحو مزيد من التوتر .
ما يجري ليس مجرد خلافات متناثرة ، بل تعبير عن أزمة أعمق . أزمة دولة تتراجع لحساب الانقسام ، وسياسة تُستبدل فيها البرامج بالإيحاءات ، والحوار بالفعل الصادم


