إلحاقاً للمقال السابق ،
في زمنٍ اعتاد فيه القادة تزيين الانكسارات بشعارات النصر ، كان نادراً أن يقف حاكم أمام شعبه ليقول الحقيقة كما هي : لقد هُزمنا . تحمل المسؤولية ، وحده جمال عبد الناصر فعلها بعد حرب 1967، لا ليبرّر ، بل ليعترف . الهزيمة ليست فقط خسارة أرض أو معركة ، بل اختبار أخلاقي للقيادة . كثيرون خسروا حروباً ، لكن قلّة اعترفت . لأن الاعتراف ليس ضعفاً ، بل بداية تصحيح . حين أعلن عبد الناصر مسؤوليته ، لم يكن يكتب نهاية زعامته ، بل كان يفتح باباً نادراً في العالم العربي : باب المحاسبة ، ولو بشكلٍ رمزي . لكن المفارقة الكبرى لم تكن في الاستقالة… بل في ما تلاها .
فقد قوبلت استقالته برفض واسع من الشارع العربي ، وخرجت الجماهير تطالبه بالبقاء . في لحظة بدت فيها الشعوب ، رغم الهزيمة ، متمسكة بالرجل الذي اعترف بها . لم يكن ذلك مجرد تأييدٍ لشخص ، بل تعبيراً عن حاجة عميقة للاستقرار ، وعن خوف من الفراغ أكثر من الخوف من الخطأ .
هنا تتعقّد الصورة ، قائدٌ يعترف ، وشعوبٌ ترفض رحيله . كأن الهزيمة لم تُسقط الثقة ، بل كشفت عن علاقة مختلفة بين الحاكم والمحكوم ، حيث تُغفر الأخطاء حين تُقال بصدق ، وحيث يصبح الاعتراف نفسه سبباً للتمسّك لا للتخلّي .
في منطقتنا ، غالباً ما تُدار الهزائم كأنها انتصارات مؤجلة . تُعاد صياغة الوقائع ، تُحمَّل المسؤوليات للآخرين ، وتُدفن الحقيقة تحت ركام الخطابات .
لكن الحقيقة تبقى : الشعوب لا تُخدع إلى الأبد ، والهزائم التي لا تُقال مطلقاً ، تتحوّل إلى أزماتٍ دائمة .
ما فعله جمال عبد الناصر لم يكن كافياً لتغيير المسار ، لكنه وضع معياراً مفقوداً اليوم : أن تكون صادقاً في لحظة السقوط . ولعلّ ما هو أخطر من الهزيمة… أن لا نجد من يجرؤ على قولها .


