وقفة مع العقل المتوازي….حين يقال ما لا يفعل
في لبنان، لا تبدو المشكلة دائماً في غياب القرار… بل في ازدواجيته.
كأننا أمام عقلين يعملان في آنٍ واحد:
عقلٌ يُصرّح… وعقلٌ يُدرك حدود ما يمكن تنفيذه.
من هم في سدة المسؤولية يسيرون فعلاً بين ألغامٍ مزروعة في كل اتجاه،
حيث كل خطوة محسوبة، وكل قرار قد يفتح باباً أو يشعل جبهة.
لكن الإشكالية ليست في صعوبة المسار بحد ذاته،
بل في الفجوة بين القول والفعل.
يُقال ما لا يمكن تطبيقه،
وتُرفع شعارات يعرف أصحابها قبل غيرهم أنها خارج القدرة الفعلية.
تُزرع الآمال في وجدان الناس،
لكنها في كثير من الأحيان لا تتجاوز كونها سراباً في صحراءٍ أنهكتها الدماء والانهيار.
“اتُّخذ القرار”… عبارة تتكرر،
لكنها تفقد معناها عندما يتبيّن، وقبل أن يجفّ حبرها،
أنها لم تكن سوى كلامٍ عابر،
لا يُترجم إلى واقع، ولا يحفظ ما تبقى من ثقة.
هنا يصبح السؤال الحقيقي:
ما هو القرار الذي يجب أن يُتخذ؟
ليس الجواب شعارات من نوع “نزع السلاح فوراً”،
ولا وصفات مستهلكة أثبتت عجزها.
فالواقع يقول بوضوح:
المشكلة ليست في غياب الحل… بل في تجاهل طبيعته.
في لبنان، لا نتعامل مع ملف داخلي بسيط،
بل مع واقع مركّب يتجاوز الدولة نفسها.
وأي طرح يفترض أن الحل يمكن أن يُفرض بقرار داخلي منفرد،
هو طرح غير واقعي.
حتى من كان في قلب المؤسسة العسكرية،
وأدار التوازنات لسنوات،
اصطدم عند محاولة التغيير بحقيقة واحدة:
أن ما يُقال لا يكفي… إن لم تسنده قوة تُنفّذه.
لذلك، فإن الجواب الصادق—ولو كان قاسياً—هو التالي:
لا يوجد اليوم حل لبناني داخلي مباشر وقابل للتنفيذ لنزع هذه المعضلة من جذورها.
ليس لأن القرار غير معروف،
بل لأن القدرة على تنفيذه غير متوفرة ضمن الصيغة الحالية للدولة.
من هنا، يتحول السؤال من: “كيف نُقنع؟”
إلى: “كيف نُغيّر المعادلة نفسها؟”
الحل الواقعي لا يكون بمحاولة تغيير طرف ضمن نفس اللعبة،
بل بتغيير قواعد اللعبة ذاتها.
أي الانتقال من دولة مزدوجة،
إلى دولة واحدة فعلية.
وهذا لا يحصل بخطاب،
ولا ببيان،
ولا حتى بقرار نظري.
بل عبر حدث تأسيسي كبير،
يأتي من أحد مسارين لا ثالث لهما:
إما تسوية إقليمية كبرى،
تُعاد فيها صياغة الأدوار،
فيصبح الاندماج في الدولة أقل كلفة من البقاء خارجها.
أو صدمة كبرى،
تفرض إعادة تأسيس النظام اللبناني نفسه،
وتُعيد تعريف من يملك قرار الحرب والسلم.
أما الاستمرار في إدارة الأزمة،
فهو ليس حياداً… بل تأجيل للانفجار.
وهنا نصل إلى جوهر القرار الحقيقي المطلوب اليوم:
ليس اتخاذ قرار وهمي لا يُنفّذ،
بل التوقف عن الكذب على الناس.
إما أن تعلن الدولة بوضوح أنها قادرة فعلاً على أن تكون الدولة الوحيدة،
فتضع مساراً تنفيذياً حقيقياً بمهل واضحة ومسؤولة،
أو تعترف بأنها غير قادرة،
وتذهب إلى إعادة صياغة النظام تحت ضغط الواقع.
فالخطر لم يعد في الخلاف السياسي،
بل في استمرار الوهم.
لبنان لا ينقصه معرفة الطريق…
بل الجرأة للاعتراف بحقيقته.


