
ليس كلّ خلاف سياسي نذير فتنة ، لكنّه يصبح خطرًا حين تُستدعى العصبيات إلى قضية يُفترض أن يحكمها القانون. وهذا ما يُخشى منه مع تصاعد السجال عقب قرار المجلس الدستوري بشأن الطعن بقانون العفو العام، المقدّم من تكتّل «لبنان القوي».
فالمجلس، بقراره الصادر بالإجماع، لم يُبطل القانون كاملًا، بل قبل الطعن جزئيًا وردّه جزئيًا، فأبطل بعض النصوص وأقرّ تحفظات تفسيرية ملزمة تحدّد نطاق تطبيقه. غير أنّ اعتراض بعضهم ينطلق من خشية أن تتراجع حقوق الموقوفين إلى الخلف، فيما تتقدّم الحسابات الطائفية إلى الواجهة.
الخطر ليس في الاعتراض على القرار، بل في تحويل الخلاف إلى خصومة سنّية ـ مسيحية؛ فلا النواب المعترضون يختصرون طائفة، ولا التيار الوطني الحر يختصر أخرى. وإقحام الانتماء الطائفي في قضية الموقوفين يحجب جوهرها الحقوقي ويفتح الباب أمام التحريض.
ولاحتواء الاحتقان، لا تكفي دعوات التهدئة؛ المطلوب توضيح آثار القرار وآليات تنفيذه، وتسريع المحاكمات وحسم الملفات وفق القانون، بما يصون حقوق الموقوفين والضحايا معًا ويقطع الطريق على استغلال معاناتهم.
وعلى النواب المتابعين للملف التزام المسار المؤسّسي، بعيدًا من التلويح بالشارع، كما على جبران باسيل وكتلته شرح موقفهم من دون لغة الغلبة. وتتحمّل القيادات السياسية والروحية مسؤولية منع توظيف المنابر في تأجيج الانقسام، وإبقاء النقاش في إطاره القانوني والوطني.
الغضب لا يجعل الفتنة حتميّة، لكنه يستدعي مسؤولية تمنع التصعيد، من دون تهويل أو تهاون. واحترام قرار المجلس الدستوري وصون الحقّ في المحاكمة العادلة التزامان متلازمان، لا ذريعة للمفاضلة بينهما.
لبنان لا يحتاج إلى منتصر طائفي في قضية العفو، بل إلى دولة تُنصف من ظُلم وتُحاسب من أجرم؛ فالعدالة التي يتأخّر بها القضاء، لا يعوّضها غضب الشارع.



