
ليست المشكلة في نقص الكفاءات، ولا في غياب الطاقات، ولا في قلّة أصحاب الشهادات والخبرات. المشكلة أعمق من ذلك بكثير: تبدأ حين تنقلب المعايير، فيصبح الاستثناء قاعدة، والحق امتيازًا، والمخالفة شطارة، والواسطة أقصر طريق إلى ما يُفترض أن يُنال بالاستحقاق.
الوظيفة بالواسطة، والشهادة بالغش، والحق بالرشوة، والمنصب بالتحزّب، والطائفة حسب المصلحة… ثم نسأل: لماذا لا يصلح حال البلد؟
كيف يستقيم وطن لا تكون فيه النزاهة أساسًا للمسؤولية، ولا القانون مرجعًا للجميع؟ وكيف تُبنى دولة إذا كانت المواقع تُوزَّع وفق الولاءات، والمحاسبة تخضع للحسابات، والمصلحة العامة تأتي دائمًا في آخر الصف؟
المشكلة ليست في شخص واحد، ولا في حزب واحد، ولا في طائفة واحدة. المشكلة في ثقافةٍ استسهلت الخطأ، ثم اعتادته، ثم برّرته، حتى بات الشاذّ مألوفًا، والمرفوض مقبولًا، ومن يعترض عليه يبدو كأنه خارج السياق.
وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية.
فالدولة لا تنهار فقط عندما تُسرق أموالها، بل عندما تُسرق معاييرها. حين يصبح غير الكفوء في موقع القرار، والولاء جواز عبور، والقانون وجهة نظر تتبدّل باختلاف الأشخاص والمصالح، لا يعود الخلل في إدارة الدولة فحسب، بل في معنى الدولة نفسها.
وحين يصبح كل شيء قابلًا للمساومة، لا تسألوا لماذا لا يصلح حال البلد… اسألوا كيف يمكن أن يصلح أصلًا؟
البداية ليست معجزة: أعيدوا للمعايير قيمتها، وللدولة هيبتها، وللمحاسبة معناها. فالأوطان لا ينقصها الكلام عن الإصلاح، بل أن نكون جادّين في تطبيقه.


