
«الشعوب لا تفقد تاريخها حين تُحرق كتبها وحدها، بل حين تتوقف عن رواية نفسها، ولعل الأدب كان، منذ الحكاية الأولى، طريقتنا الأجمل في مقاومة ذلك الزوال».
أتوقف عند هذه الفكرة الرائعة، وأفكر في الحكايات التي غادرت بيوتنا مع أصحابها. كم من جدّة رحلت، وبقي صوتها في ذاكرتنا، فيما غابت عنها تفاصيل الحكايات التي كانت ترويها؟ وكم من أب أخذ معه قصة البيت الذي بناه، والأرض التي اشتراها، والخسارة التي أخفاها كي لا يقلق أولاده؟
ونحن نخطئ حين نظن، أحيانًا، أن تاريخنا محفوظ ما دامت أسماء العائلة متوارثة والصور معلقة على الجدران. لكن الصورة لا تخبرنا لماذا بكى صاحبها تلك الليلة، ولا كيف نهض في الصباح وذهب إلى عمله في ليلة قصف جنونية.
نعم، تحتاج وجوه أهلنا وأجدادنا إلى من يحفظ حكاياتهم ويرويها، كي تبقى حية في ذاكرتنا، ولا تتحول، مع مرور الزمن، إلى صور في إطارات قديمة لا يعرف أحد أصحابها.
في لبنان، نخشى على أبنيتنا وآثارنا وكتبنا، ويحق لنا أن نخشى. لكنني أخاف أيضًا على ذاكرة الناس العاديين؛ على العامل الذي أمضى عمره قرب آلة، والمزارع الذي يعرف أرضه من رائحتها، والأم التي كانت تخفي قلة الطعام بحسن تدبيرها، والمغترب الذي عاد بعد سنوات ليجد شجرة البيت أكبر منه، وأرصدته في المصارف اللبنانية قد سُلبت.
هؤلاء عاشوا تاريخًا يستحق أن يُروى، ولو لم تظهر أسماؤهم في كتاب.
وحين أكتب عن ضيعتي كفرزبد، أو مدينتي زحلة، أو عن أي إنسان ترك أثرًا في حياتي، أشعر بأنني أفتح له بابًا ليبقى بيننا قليلًا. أستعيد طريقته في الكلام، وضحكته، وعاداته الصغيرة، فأكتشف أن ما ظننته تفصيلًا عابرًا كان جزءًا من معنى المكان.
فالقرية التي نحبها يجب أن نكتب عن أهلها، وعن بيوتها، وعن الذين مروا بها، وعن الأخبار التي كانت تنتقل من عتبة إلى أخرى عند المساء.
لهذا أرى في الأدب وفاءً لما عشناه، ومسؤولية تجاه من سيأتون بعدنا. أن نروي أنفسنا يعني أن نكتب نجاحاتنا وإخفاقاتنا، وما أحسنّا فعله وما أخطأنا فيه، وأن نمنح الذين غابوا حقهم في الحضور.
ولا يحتاج كل إنسان إلى أن يكون كاتبًا؛ فقد تبدأ الحكاية بسؤال يوجَّه إلى أب، أو بحديث مع أم، أو باسم نكتبه خلف صورة قبل أن ننساه، خشية أن يأتي يوم يعرف فيه أولادنا كل شيء عن العالم، ولا يعرفون كيف عاش أهلهم، وماذا أحبوا، وما الذي بذلوه ليبقى البيت قائمًا.
وقد يستطيع من يأتي بعدنا أن يعيد بناء جدار تهدّم، لكنه لن يستطيع استعادة حكاية رحل آخر من كان يعرفها!
لذلك، يجب أن ندوّن ما نعرفه، وما نخشى عليه من النسيان، لعل أحد أحفادنا يفتح يومًا صفحة لنا، فيجد فيها صوتًا مألوفًا، ويشعر بأنه عاد إلى بيت أجداده.


