طالبوا بسوريا الكبرى ، ولم يستطيعوا المحافظة على سوريا الصغرى .
كان أنطون سعادة ، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي ، صاحب مشروع سوريا الطبيعية ، الذي تجاوز في تصوره حدود الدولة السورية الحالية إلى وحدة جغرافية وتاريخية أوسع ، ودخلت قبرص أيضاً في خريطة هذا المشروع .
كان ذلك مشروعاً لبناء وطن أكبر ، لكن التاريخ سار في اتجاه معاكس . فتجزأت بلاد الشام إلى دول ، واستقرت لكل دولة حدودها وكيانها السياسي ، وبقيت سوريا ، رغم الحروب والانقلابات والأزمات ، دولة واحدة بحدودها المعروفة .
أما اليوم ، فالمسألة لم تعد في توسيع حدود سوريا ، بل في المحافظة عليها .
فبعد سنوات الحرب ، ظهرت قوى مسلحة ومناطق نفوذ وإدارات محلية ، وتداخلت فيها مصالح دول إقليمية وقوى دولية . وأصبح للدولة حضور متفاوت بين منطقة وأخرى .
وهنا يمكن مقاربة المشهد السوري بما جرى في بعض دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا ، لا لأن التجارب متطابقة ، بل لأن الدرس واحد : الدولة قد تبدأ بالتفتّت قبل أن تعلن تقسيمها .
فعندما يتوزع السلاح والقرار والسلطة بين مراكز متعددة ، وتصبح لكل منطقة ترتيباتها الأمنية والسياسية ، تتحول الوحدة من واقع على الأرض إلى مجرد حدود على الخريطة .
ولا يعني ذلك أن اللامركزية هي التقسيم . فاللامركزية يمكن أن تكون وسيلة لإدارة التنوع داخل الدولة ، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الخصوصية المحلية إلى سلطة أمنية وسياسية مستقلة .
سوريا اليوم أمام هذا المفترق . والرئيس أحمد الشرع يقول إنه يعمل على إعادة بناء الدولة وتوحيد مؤسساتها ، وقد أكد وحدة سوريا وضرورة توحيد القرار . لكن الاختبار الحقيقي هو في القدرة على تحويل ذلك إلى واقع ، واستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها .
ولكن هل يكون الشرع منقذاً لسوريا ، أم منفذاً لمرحلة تنتهي بسوريا مختلفة عما عرفناها؟
المطلوب اليوم ليس استعادة حلم سوريا الكبرى ، بل الحفاظ على سوريا الدولة الحالية :
جيش واحد ، وسلاح واحد ، وقرار واحد ، ودولة تتسع لجميع مكوّناتها من دون أن تتحول خصوصياتها إلى حدود جديدة .
فالخطر ليس أن نتخلى عن حلم قديم ، بل أن نفقد واقعاً كان قائماً .
طالبوا بسوريا الكبرى ، ولم يستطيعوا المحافظة على الصغرى .


