لا نجانب الحقيقة إذا قلنا إن بعض الدول الكبرى لا تنظر إلى الدول الصغيرة والضعيفة كدولٍ كاملة السيادة ، بل كأوراق في حساباتها . والمقصود هنا ليس الشعوب ، بل الإدارات الحاكمة التي تتعامل مع الدول الأضعف وفق مصالحها ونفوذها .
لنعد قليلًا إلى الوراء .
دخل لبنان في المشهد السوري ، وخصوصاً في عهد حافظ الأسد ، فأصبح القرار اللبناني في مراحل طويلة منفذاً للقرار السوري ، واغلب الشعب اللبناني اصبح سوري الهوى . ثم لم يتوقف الأمر عند سوريا ، بل دخل لبنان في المشهد الإيراني أيضاً ، من خلال علاقة حزب الله المذهبية بإيران وما رافقها من نفوذ سياسي وعسكري داخل لبنان .
لم يقتصر تاريخ المنطقة على العدو الإسرائيلي ، بل تجاوزه إلى النفوذ السوري والإيراني .
واليوم إلى النفوذ التركي في سوريا وتداعياته على لبنان ، حيث أصبحت لتركيا أدوات وتأثير واسعان في المشهد السوري .
وهنا تتضح الصورة أكثر . كما دخل لبنان في المشهد السوري ، ثم في المشهد الإيراني ، تدخل سوريا اليوم في المشهد التركي .
تتغير الدول والظروف ، لكن النتيجة واحدة عندما تكون الدولة ضعيفة ، يصبح قرارها عرضة للخارج ، ويصبح شعبها موزعاً بين انتمائه إلى وطنه وانتماءات تحديداً مذهبية تبحث عن الحماية خارج الوطن .
لكن هناك شرط أساسي لا يستثني دولة كبرى أو صغيرة هو الجبهة الداخلية .
فالدولة ، مهما كان حجمها ، لا تستطيع حماية سيادتها إذا كانت جبهتها الداخلية مفككة . وعندما تتغلب الطائفية والانقسامات والولاءات الخارجية على الانتماء الوطني ، تصبح الأبواب مشرعة أمام التدخلات الخارجية ، ويصبح القرار الوطني أكثر هشاشة ، ونحن نعيشه .
لذلك ، فإن قوة الدولة لا تُقاس فقط بحجم جيشها أو اقتصادها ، بل بمدى تماسك شعبها حول وطنها ومؤسساتها ودستورها وقانونها .
لكن كيف يكون الخلاص؟
ليس باستبدال نفوذ بنفوذ ، ولا بالانتقال من محور إلى محور .
الخلاص يبدأ عندما تصبح الدولة هي المرجعية الوحيدة ، ويصبح الجيش والمؤسسات والقانون فوق الطوائف والمحاور ، ويصبح الانتماء إلى الوطن أقوى من أي انتماء خارجي .
فالدول لا يحميها حجمها ، بل قوة جبهتها الداخلية ووحدة قرارها .
وإذا صلحت الجبهة الداخلية ، أصبح الخارج أقل قدرة على اختراقها ، أما إذا انهارت من الداخل ، فلن تنفعها كل الشعارات عن السيادة والاستقلال .


