
حين يغادر الطبيب والمهندس والباحث والمتفوّق، وحين يسافر الشاب اللبناني طلبًا للعلم في أرقى جامعات العالم، ويحمل شهادته الأجنبية ليبني بها مستقبله هناك بدل أن يعود بها إلى وطنه، فالمشكلة لم تعد في الهجرة وحدها… بل في وطنٍ يخسر أبناءه مرّتين: مرّة حين يغادرون، ومرّة حين لا يجدون ما يدفعهم إلى العودة.
هذه ليست أزمة شباب يبحثون عن فرصة… هذه أزمة دولة تعجز عن استعادة عقول أبنائها والاحتفاظ بها.
تتصارعون على الكراسي، وتتقاسمون المواقع، وتستهلكون البلد في نزاعاتكم وحساباتكم، فيما أفضل ما أنجب لبنان يحزم حقائبه ويرحل، ومن غادر طلبًا للعلم يحمل شهادته من جامعات العالم ولا يعود.
لا حزب فوق الوطن، ولا زعيم فوق الدولة، ولا مسؤول بمنأى عن المساءلة. فالسلطة ليست امتيازًا، ومن يملك قرارًا يستطيع أن يوقف نزيف العقول ولا يفعل، يتحمّل نصيبه من مسؤولية الخسارة.
من يملك سلطة القرار ويقف متفرّجًا أمام نزيف العقول، ليس شاهدًا على الخسارة بل يتحمّل نصيبه من مسؤوليتها، أيًّا يكن اسمه أو موقعه أو انتماؤه.
لا نريد وطنًا يعلّم أبناءه ويخرّجهم ليقدّمهم هديةً لاقتصادات العالم، ولا وطنًا يرسل أبناءه إلى أرقى الجامعات ثم يعجز عن إعادتهم إليه. نريد دولةً تمنح شبابها أسباب البقاء، وتمنح من غادر أسباب العودة؛ دولةً تستطيع أن تقول لهم: ابقوا هنا… وعودوا إلى هنا، فهنا علمكم، وهنا عملكم، وهنا مستقبلكم.
وإذا استمر هذا النزيف، فلن يكون السؤال يومًا: لماذا هاجر اللبنانيون؟
بل سيكون السؤال الذي سيلاحق هذه الدولة وحكامها:
مَن دفعهم إلى الرحيل؟
مَن أفرغ لبنان من عقول أبنائه؟
ومَن سرق منه مستقبله؟


