Close Menu
Nicolas News
  • الرئيسية
  • سياسة
    • محليات
    • عربي إقليمي ودولي
  • إقتصاد
  • مقالات
  • صحة
  • رياضة
  • متفرقات
  • فن

اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً

اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
Nicolas NewsNicolas News
MEA Banner
إشترك الآن في قناة الواتساب
  • الرئيسية
  • سياسة
    • محليات
    • عربي إقليمي ودولي
  • إقتصاد
  • مقالات
  • صحة
  • رياضة
  • متفرقات
  • فن
فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
Nicolas News
أنت الآن تتصفح:الرئيسية»مقالات»التحولات الجيوسياسية الجديدة ومستقبل النظام العربي
مقالات

التحولات الجيوسياسية الجديدة ومستقبل النظام العربي

العميد الركن الطيار المتقاعد اندره بومعشر
أغسطس 29, 2026 7:49 م23 دقائق
فيسبوك تويتر البريد الإلكتروني تيلقرام واتساب Copy Link
شاركها
فيسبوك تويتر البريد الإلكتروني تيلقرام واتساب Copy Link

في إطار: ندوة حول الديمقراطية العربية في ظل التحولات الإقليمية والدولية التي أقامها مركز تموز للدراسات والتكوين على المواطنية بالتعاون مع مؤسسة هانس زايدل الألمانية في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا- جبيل السبت في 29 أب 2028.

في لحظات التحول الكبرى، لا تكون المشكلة عادة في نقص المعلومات، بل في كثرتها. تتراكم الحروب والانتخابات والمفاوضات والتحالفات والانهيارات والممرات الاقتصادية والتطورات التكنولوجية، حتى يصبح خطر التحليل هو أن يتحول إلى متابعة للأحداث بدلاً من أن يكون محاولة لفهم البنية التي تنتج هذه الأحداث.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يبدأ منه التحليل الاستراتيجي ليس فقط: ماذا حدث؟ بل السؤال الأكثر أهمية: هل غيّر ما حدث قواعد اللعبة؟

Moulin d'Or

فالحرب حدث، وسقوط حكومة حدث، وتوقيع اتفاق حدث، والانتخابات حدث. أما التحول الجيوسياسي فيبدأ عندما يؤدي الحدث إلى تغيير العلاقة بين الجغرافيا والقوة والمصلحة؛ عندما يعيد توزيع النفوذ، أو يعيد تشكيل التحالفات، أو يوسع حدود الأمن القومي، أو يغيّر معنى السيادة، أو ينتج قواعد جديدة للنظام الإقليمي.

ومن هنا فإن ما نشهده اليوم في الشرق الأوسط لا يمكن قراءته باعتباره مجموعة ملفات منفصلة. إيران مرتبطة بهرمز، وهرمز مرتبط بالطاقة العالمية. وسوريا لا يمكن فصلها عن تركيا وإسرائيل وإيران والعالم العربي. ولبنان لا يمكن عزله عن الصراع على السيادة والقرار والمجالات الحيوية. والبحر الأحمر لم يعد مجرد مسرح بحري محلي، بل أصبح عقدة في التجارة العالمية. والاتفاقات الإبراهيمية لا تقتصر على علاقات دبلوماسية جديدة، بل تحمل في داخلها محاولة لإعادة تعريف بنية النظام الإقليمي. والممرات الاقتصادية ليست مجرد مشاريع نقل، بل أدوات تعيد توزيع مراكز القيمة والنفوذ.

إذا قرأنا كل ملف على حدة نحصل على أخبار. أما إذا بحثنا عن الرابط بينها، فنبدأ بفهم التحول الجيوسياسي.

وفي هذا السياق تبدو الديمقراطية والجيوبوليتيك، للوهلة الأولى، موضوعين مختلفين. الجيوبوليتيك يتعلق بالقوة والمكان والموارد والتحالفات، والديمقراطية تتعلق بالشرعية والمشاركة والمؤسسات والمساءلة. لكن هذه الثنائية مضللة، لأن التحولات الجيوسياسية لا تغير فقط موازين القوة بين الدول، بل تغير أيضاً البيئة التي تعمل فيها الديمقراطية: من يملك القرار؟ من يحتكر القوة؟ من يحدد المصلحة الوطنية؟ من يقرر الحرب والسلم؟ ما مقدار السيادة التي بقيت للدولة؟ وما مقدار الشرعية التي تحتاج إليها الدولة حتى تستطيع حماية هذه السيادة؟

ومن هنا أطرح منذ البداية فكرة أعتقد أنها أساسية:

الديمقراطية ليست مسألة منفصلة عن الأمن القومي؛ فالشرعية الداخلية هي أحد مصادر القدرة الاستراتيجية للدولة.

أولاً: من الجغرافيا إلى الجيوسياسة

قبل الانتقال إلى الإقليم، من الضروري ضبط المفاهيم. فهناك ثلاثة مصطلحات كثيراً ما تختلط في الاستخدام العام: الجغرافيا السياسية، والجيوبوليتيك، والجيوسياسة.

الجغرافيا السياسية تدرس المكان السياسي كما هو: الدولة، وحدودها، وسكانها، ومواردها، وموقعها، وممراتها، وشبكة جوارها. أما الجيوبوليتيك فيسأل ماذا تعني هذه الجغرافيا داخل علاقات القوة. فالمضيق ليس مجرد مساحة مائية، والحدود ليست مجرد خطوط، والميناء ليس مجرد منشأة، والجبل ليس مجرد تضاريس؛ فكل عنصر جغرافي يكتسب قيمة مختلفة بحسب موقعه داخل شبكة القوة والاقتصاد والأمن.

أما الجيوسياسة، بالمعنى الإجرائي الذي أستخدمه هنا، فهي كيفية تحويل الدولة هذا الموقع وهذه الموارد وهذه القيود إلى سياسة ونفوذ واستراتيجية.

ولهذا أقترح الصيغة التالية:

الجغرافيا هي المعطى؛ والجيوبوليتيك هو تفسير قيمة هذا المعطى في علاقات القوة؛ والجيوسياسة هي تحويله إلى فعل استراتيجي.

فهرمز، مثلاً، حقيقة جغرافية. وكونه ممراً بالغ الأهمية للطاقة والتجارة العالمية حقيقة جيوبوليتيكية. أما استخدام هذه الحقيقة في الردع والتفاوض وإعادة صياغة العلاقات بين الدول فهو جيوسياسة.

لكن الخطأ يبدأ عندما تتحول الجغرافيا من قيد إلى قدر. وهنا يجب الحذر من مفهوم «الحتمية الجيوبوليتيكية». فالجغرافيا مهمة، لكنها لا تحدد السياسة بصورة ميكانيكية. الجغرافيا تفرض الأسئلة، لكنها لا تفرض بالضرورة الأجوبة. والدول التي تتشابه في ظروفها الجغرافية لا تتبع بالضرورة السياسة نفسها. كما أن الجغرافيا قد تفسر الحاجة الأمنية، لكنها لا تمنح السلوك السياسي أو العسكري مشروعية قانونية تلقائية.

وهذا التمييز ضروري، لأن كثيراً من النزاعات المعاصرة تبدأ عندما تتحول الحاجة الأمنية المشروعة إلى ادعاء بحق السيطرة على مجال يقع خارج الحدود.

ثانياً: الصراع التاريخي على الفكر والثروة والنفوذ

إذا ابتعدنا عن تفاصيل اللحظة ونظرنا إلى التاريخ من مستوى أعلى، نجد أن الإمبراطوريات تتغير، وأنظمة الحكم تتغير، والتكنولوجيا العسكرية تتغير، لكن جانباً أساسياً من الصراع الإنساني بقي يدور حول ثلاثة عناصر: الفكر، والثروة، والنفوذ.

الصراع على الفكر هو الصراع على من يحدد الشرعية، ومن يعرّف معنى الدولة، ومن يحدد العدو والحليف، ومن يمتلك حق تعريف الهوية والقيم والنظام المقبول. ولذلك فالفكرة ليست عنصراً ثقافياً هامشياً؛ الفكرة تنتج الشرعية، والشرعية تحدد قدرة الدولة أو النظام على تعبئة المجتمع.

أما الثروة، فقد كانت تاريخياً الأرض والمياه والمعادن والموارد. واليوم اتسع معناها لتشمل الطاقة والتكنولوجيا والبيانات وأشباه الموصلات والمعادن الحرجة والموانئ وسلاسل الإمداد، أي كل ما يمنح الدولة قدرة على إنتاج القوة والاستقلال.

أما النفوذ، فهو القدرة على التأثير في قرارات الآخرين من دون الحاجة دائماً إلى السيطرة المباشرة عليهم.

ومن هنا يمكن صياغة علاقة أعتقد أنها مهمة:

الفكرة تنتج الشرعية، والثروة تنتج القدرة، والنفوذ يحدد مدى تأثير هذه القدرة، والجغرافيا تحدد أين وكيف تتفاعل هذه القوى.

وهنا يصبح الجيوبوليتيك المسرح الذي تتقاطع فوقه هذه العناصر. ولذلك فإن الصراع على فلسطين ليس صراع أرض فقط، والصراع على هرمز ليس صراع ملاحة فقط، والصراع في سوريا ليس صراعاً داخلياً فقط، والصراع في لبنان ليس خلافاً محلياً فقط، والبحر الأحمر ليس ممراً تجارياً فقط. في كل هذه الساحات تتفاعل الشرعية والثروة والنفوذ والجغرافيا.

ومن هنا أصل إلى الاشكالية المركزية لهذه المحاضرة:

الشرق الأوسط، ومن ضمنه العالم العربي، لا يشهد مجرد إعادة توزيع للقوة، بل انتقالاً تدريجياً من نظام المحاور شبه الثابتة والسيادات الموزعة إلى نظام إقليمي شبكي متعدد المراكز، تتنافس داخله القوى على القرار والمجال الحيوي والممرات والتكنولوجيا، فيما تحاول الدولة الوطنية في عدد من الساحات استعادة احتكار القوة والسيادة.

إذا صح هذا التشخيص، يصبح السؤال العربي الحقيقي ليس من سينتصر في هذه الحرب أو تلك، بل:

هل سيكون هناك نظام عربي فاعل داخل النظام الإقليمي الجديد، أم ستكون هناك فقط دول عربية داخله؟

ثالثاً: تحول النظام الدولي ومفهوم القوة والسيادة

لا يمكن فهم الشرق الأوسط إذا بدأنا من الشرق الأوسط وحده، لأن النظام الدولي نفسه يمر بمرحلة انتقالية. العالم لم يعد أحادياً كما بدا في التسعينيات، لكنه لم يصبح بعد نظاماً متعدد الأقطاب مستقراً. نحن أمام مرحلة يمكن وصفها بأنها تعدد مراكز قدرة قبل اكتمال تعدد الأقطاب.

الولايات المتحدة تبقى القوة العسكرية والمالية والتكنولوجية الأهم في النظام الدولي، لكنها أصبحت أكثر انتقائية في استخدام القوة وأكثر مطالبة للحلفاء بتحمل الكلفة. والصين تحولت من قوة تجارية إلى منافس صناعي وتكنولوجي واستراتيجي. وأوروبا تعيد التفكير في قدرتها الدفاعية والاستراتيجية، بينما توسع الهند والقوى المتوسطة الأخرى مساحة استقلالها.

وهنا تتغير طبيعة التحالفات. ففي القرن العشرين كان من السهل نسبياً أن نسأل إن كانت الدولة مع الغرب أو مع الشرق. أما اليوم فقد تكون الدولة مرتبطة أمنياً بالولايات المتحدة، وتجارياً بالصين، ودفاعياً بدولة ثالثة، ومستثمرة مع أوروبا، ومتفاوضة مع إيران، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات مع تركيا أو إسرائيل. هذه ليست بالضرورة تناقضات؛ إنها إحدى خصائص النظام الشبكي.

ولذلك: التحالف ليس استراتيجية؛ التحالف أداة في خدمة استراتيجية. والدولة التي تختار حلفاءها قبل أن تحدد مصالحها قد تجعل التحالف بديلاً عن قرارها الوطني.

والتحول الثاني يتعلق بمفهوم القوة نفسه. لم تعد القوة تقاس بعدد الدبابات والطائرات فقط، بل أصبحت حصيلة قدرة عسكرية وصناعية وتكنولوجية ومالية وطاقوية ورقمية. فالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبيانات والموانئ والأقمار الاصطناعية والكابلات البحرية وسلاسل الإمداد ليست عناصر اقتصادية منفصلة؛ إنها أجزاء من البنية التحتية للقوة.

ومن هنا:

لم يعد الصراع فقط على امتلاك الأرض؛ بل على امتلاك العقد التي تجعل الدولة والاقتصاد قادرين على العمل.

ومن يسيطر على العقد لا يحتاج دائماً إلى السيطرة على المساحات.

وهذا يعيد تعريف السيادة. فالدولة قد تكون مستقلة قانونياً، لكنها محدودة السيادة استراتيجياً إذا كان الخارج يستطيع تعطيل قرارها عبر الطاقة أو الغذاء أو المال أو التكنولوجيا أو البيانات.

لذلك أقترح تعريفاً أوسع:

“السيادة الحديثة هي سيادة الأرض، وسيادة القرار، وسيادة القدرة، والقدرة على إدارة الاعتماد على الآخرين.”

ومن هنا تأتي العلاقة بالديمقراطية. فإذا كان المواطن يستطيع اختيار ممثليه، لكن قرار الحرب والسلم أو السياسة الخارجية أو استخدام القوة تحدده بنى تقع خارج المؤسسات الوطنية، فإن الديمقراطية نفسها تصبح ناقصة.

لا معنى كاملاً لسيادة الشعب إذا لم تكن هناك سيادة للدولة على قرارها.

رابعاً: الأمن القومي والمجال الحيوي والقيد الجيوبوليتيكي

الأمن القومي ليس مجرد مفهوم عسكري. إنه في جوهره سؤال عن الأشياء التي يجب على الدولة أن تحميها حتى تستطيع الاستمرار كدولة حرة في قرارها.

وهنا يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة. المستوى الأول هو القيد الجيوبوليتيكي. فمصر لا تستطيع تجاهل النيل وقناة السويس، وإيران لا تستطيع تجاهل الخليج وهرمز، وتركيا لا تستطيع تجاهل المضائق وسوريا والعراق، والسعودية لا تستطيع تجاهل الخليج والبحر الأحمر، وإسرائيل لا تستطيع تجاهل محدودية عمقها الجغرافي، ولبنان لا يستطيع تغيير موقعه بين سوريا وإسرائيل وشرق المتوسط والعالم العربي.

هذه معطيات لا تستطيع الدول إلغاءها، لكنها لا تنتج جواباً سياسياً واحداً.

أما المستوى الثاني فهو الأمن القومي، وأقصد به قدرة الدولة على حماية وجودها وسيادتها ومجتمعها ومصالحها الحيوية والمحافظة على حرية قرارها تحت الضغط. وهذا التعريف مهم، لأن الأمن القومي ليس منع الخطر فقط.

الأمن القومي هو الحفاظ على حرية القرار تحت الضغط.

أما المستوى الثالث فهو المجال الحيوي، ويظهر عندما تعتبر الدولة أن أمنها لا يمكن حمايته داخل حدودها السياسية فقط، بل يحتاج إلى التأثير فيما يقع خارجها.

وهنا تبدأ المعضلة. فكل دولة تستطيع أن تحدد أمنها، لكن ماذا يحدث عندما تحدد دول عدة أمنها فوق الجغرافيا نفسها؟

المشكلة ليست أن لكل دولة تصوراً لأمنها؛ المشكلة تبدأ عندما تتقاطع المجالات الحيوية لعدة قوى فوق الجغرافيا نفسها.

وعندها يصبح النزاع ليس على الحدود السياسية فقط، بل على الحدود الاستراتيجية للأمن القومي.

خامساً: صراع الحدود الاستراتيجية فوق الحدود السياسية

تظهر هذه الظاهرة بوضوح في هرمز وجنوب لبنان وسوريا والبحر الأحمر، وإن اختلفت طبيعة الصراع في كل حالة.

في هرمز لا تكمن القوة في ملكية الشاطئ وحدها، بل في القدرة على التأثير في وظيفة المضيق: من يضمن المرور، ومن يستطيع تعطيله، ومن يستطيع فرض الكلفة، ومن يستطيع تحويل ذلك إلى ورقة تفاوض. وهذه الحالة تقود إلى مفهوم يمكن وصفه بـ السيادة الوظيفية للجغرافيا؛ أي إن الفاعل لا يحتاج إلى امتلاك كامل المساحة حتى يكتسب نفوذاً، بل يكفي أن يمتلك القدرة على التأثير في الوظيفة الاستراتيجية للمكان.

أما في جنوب لبنان فتتقاطع رؤيتان للأمن والسيادة. إسرائيل تتحدث عن الأمن والعمق والضمانات، فيما يتحدث لبنان عن السيادة والانسحاب واحتكار الدولة للقوة. وهنا يصبح السؤال أعمق من وقف إطلاق النار:

أين ينتهي مفهوم الأمن الإسرائيلي، وأين تبدأ السيادة اللبنانية؟

فما تعتبره دولة عمقاً أمنياً قد تعتبره الدولة الأخرى اقتطاعاً من سيادتها. وهذه إحدى أكثر المعضلات الجيوبوليتيكية تعقيداً: الأمن مشروع كمصلحة، لكنه يصبح مصدراً للصراع عندما يُعرّف داخل أرض دولة أخرى.

وفي سوريا يظهر نموذج آخر، إذ تعتبر تركيا جزءاً من الملف السوري، ولا سيما المسألة الكردية وترتيبات الحدود، امتداداً مباشراً لأمنها، بينما تنظر إسرائيل إلى التحولات العسكرية والسياسية داخل سوريا من زاوية أمنها هي أيضاً، وفي الوسط تحاول الدولة السورية استعادة قدرتها على تعريف أمنها الوطني بنفسها. وهنا يمكن أن ينشأ خط تماس جيوبوليتيكي داخل الدولة من دون أن تتغير الحدود السياسية.

أما البحر الأحمر فيكشف ظاهرة مختلفة: قد تكون الدولة ضعيفة، لكن جغرافيتها قوية. وإذا امتلك فاعل غير دولتي الموقع والسلاح والقدرة على التعطيل، فقد يؤثر في تجارة دولية تتجاوز قدرته الاقتصادية والسياسية المباشرة.

ومن هنا تبرز قاعدة شديدة الأهمية:

الدولة الضعيفة لا تفقد بالضرورة أرضها فقط؛ قد تفقد أيضاً حقها في تعريف معنى أمنها، لأن الآخرين يبدأون بتعريف أمنهم داخل جغرافيتها.

سادساً: من جيوسياسة الوكلاء إلى محاولة إعادة جيوسياسة الدولة

منذ عام 2003، ثم بصورة أكثر وضوحاً بعد 2011، ظهرت في عدد من الدول العربية حالة يمكن تسميتها السيادة الموزعة: دولة رسمية تمتلك الاعتراف والمؤسسات، وبجانبها قوة مسلحة تمتلك جزءاً من القرار الأمني أو العسكري، وفي بعض الأحيان ارتباطاً خارجياً مستقلاً.

هذه الظاهرة لم تبقَ شأناً داخلياً، بل تحولت إلى أداة من أدوات الجيوبوليتيك. فبدلاً من الاحتلال المباشر تستطيع قوة إقليمية أن تبني نفوذاً من خلال فاعلين محليين، وبدلاً من السيطرة على الدولة تستطيع التأثير في جزء من قرارها.

لكننا نرى اليوم، بدرجات متفاوتة، محاولة لاستعادة الدولة. في سوريا يظهر اتجاه نحو إعادة دمج القوى المسلحة في بنية الدولة، وفي العراق أصبح حصر السلاح والقرار من الملفات المركزية، وفي لبنان يرتبط مستقبل السلاح خارج الدولة مباشرة بمفهوم السيادة وبمستقبل الدولة نفسها.

وهذا قد يشير إلى:

انتقال جزئي من جيوسياسة الوكلاء إلى محاولة إعادة جيوسياسة الدولة.

لكن التحول غير مكتمل، فالنماذج غير الدولتية ما زالت قادرة على إنتاج نفوذ إقليمي. ولذلك نحن أمام صراع بين نموذجين:

دولة تحاول استعادة احتكار القوة والسيادة، وشبكات مسلحة تحاول الاحتفاظ بوظيفة جيوسياسية مستقلة.

وهنا تصبح الديمقراطية جزءاً مباشراً من النقاش، لأن المطلوب ليس فقط أن تحتكر الدولة القوة، بل أن نخضع هذه القوة للقانون والمؤسسات والمساءلة.

والسؤال الحاسم هو:

من يراقب الدولة عندما تحتكر القوة؟

فالدولة التي لا تحتكر القوة لا تستطيع حماية السيادة، لكن الدولة التي تحتكر القوة من دون قانون ومساءلة تستطيع أن تتحول إلى سلطة لا إلى دولة حديثة.

ومن هنا:

إعادة القوة إلى الدولة لا تكتمل إلا بإعادة الدولة نفسها إلى الشرعية والقانون.

سابعاً: إيران وإسرائيل وتركيا… وأين المركز العربي؟

لدينا اليوم ثلاثة مراكز إقليمية غير عربية تمتلك القدرة على إنتاج سياسة خارج حدودها: إيران وإسرائيل وتركيا. لكل منها تصور للمصلحة، وتصور للأمن، وأدوات مختلفة في إنتاج النفوذ.

إيران بنت جزءاً مهماً من عمقها عبر شبكات الحلفاء والفاعلين المحليين. وإذا تراجع هذا النموذج فلا يعني ذلك بالضرورة نهاية النفوذ الإيراني؛ قد ينتقل النفوذ من السلاح إلى السياسة والاقتصاد والمؤسسات.

تراجع الوكيل لا يعني بالضرورة نهاية النفوذ؛ قد يعني تغير أداة النفوذ.

ومن منظور عربي، لا توجد مصلحة استراتيجية في انهيار إيران، كما لا توجد مصلحة في هيمنتها. والمصلحة الأكثر عقلانية هي:

إيران مستقرة، مردوعة، ومندمجة ضمن قواعد إقليمية تحترم سيادة الدول.

أما إسرائيل، فالسؤال الاستراتيجي يتجاوز شخص الحكومة القائمة: هل يبقى الأمن الإسرائيلي معتمداً بصورة أساسية على التفوق وحرية استخدام القوة، أم يتحول تدريجياً إلى أمن يُنتج أيضاً عبر التسويات والحدود والقواعد المتبادلة؟ فالقوة قد تنتج ردعاً، لكن الردع وحده لا ينتج دائماً نظاماً مستقراً.

أما تركيا فهي نموذج مختلف؛ فهي عضو في الناتو، وقوة صناعية وعسكرية، وحاضرة في سوريا والعراق والقوقاز وشرق المتوسط، وتتفاعل في الوقت نفسه مع روسيا وإيران وأوروبا والعالم العربي. ولهذا أراها قوة ترجيح: يمكنها أن تساعد في إنتاج التوازن، ويمكن إذا توسع مفهوم الأمن الأمامي لديها أن تتحول إلى مشروع مجال حيوي منافس.

لكن السؤال الأهم بالنسبة إلينا هو:

إذا كانت إيران وإسرائيل وتركيا تعرف كل منها مصالحها ومجالها الاستراتيجي، فأين هو المركز العربي؟

ولا أقصد بذلك محوراً عربياً ضد الآخرين، بل:

مركز مصالح عربي يستطيع التعاون والتفاوض والردع من موقع قدرة.

ثامناً: النظام الإقليمي الشبكي وفلسطين ومشكلة الشرعية

قد لا يكون النظام الإقليمي المقبل قائماً على محاور صلبة، بل على شبكات متداخلة للأمن والطاقة والاستثمار والتكنولوجيا والممرات والدفاع. وقد تختلف عضوية كل شبكة، بحيث تكون دولة ما شريكاً لدولة أخرى في الطاقة، ومنافساً لها في ملف أمني، ومتعاونة معها في الاستثمار.

ومن هنا تصبح الاتفاقات الإبراهيمية والتحالفات المصغرة ومشاريع الممرات جزءاً من تحول أكبر: من نظام المحاور إلى نظام الشبكات.

لكن هذا التحول يحمل مفارقة عربية عميقة:

قد يربح العرب السلام، لكنهم قد يخسرون المركزية إذا دخلت كل دولة النظام الجديد منفردة ومن دون تصور عربي للمصلحة المشتركة.

وهذا ليس اعتراضاً على السلام، بل سؤال عن من يكتب قواعد السلام. فأن تكون جزءاً من تسوية أمر، وأن تكون جزءاً من إنتاج قواعد التسوية أمر مختلف.

وهنا تأتي فلسطين. فالقضية الفلسطينية لا يمكن أن تتحول إلى مجرد ملف مؤجل داخل هندسة إقليمية جديدة؛ إنها اختبار لشرعية هذه الهندسة.

السلام بين الحكومات لا يساوي تلقائياً السلام داخل المجتمعات.

والنظام الإقليمي المستقر لا يحتاج فقط إلى توازن قوة بين الدول، بل يحتاج أيضاً إلى حد أدنى من القبول والشرعية داخل المجتمعات. ولهذا فإن فلسطين ليست مسألة أخلاقية منفصلة عن الجيوبوليتيك، بل جزء من استدامة النظام نفسه.

تاسعاً: من العالم العربي إلى النظام العربي

هنا نصل إلى سؤال جوهري: هل يكفي أن يكون لدينا عالم عربي ودول عربية لكي يكون لدينا نظام عربي؟

الجواب هو لا.

العالم العربي فضاء حضاري وثقافي وتاريخي، والدول العربية وحدات سيادية ذات مصالح وطنية متباينة، أما النظام العربي فهو القدرة على تحويل هذا التعدد إلى قواعد ومؤسسات وحد أدنى من المصلحة والفعل المشترك.

وجود دول عربية لا يعني تلقائياً وجود نظام عربي فاعل.

العرب لا يعانون نقصاً مطلقاً في عناصر القوة؛ لديهم الجغرافيا والطاقة ورأس المال والأسواق والسكان والموانئ والممرات والقدرات العسكرية. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين امتلاك عناصر القوة وبين تحويلها إلى قوة استراتيجية.

هناك فرق بين أن تكون المنطقة موقعاً استراتيجياً، وبين أن تكون قوة استراتيجية.

والقوة الاستراتيجية هي القدرة على تحويل الموارد إلى خيارات، والخيارات إلى نفوذ، والنفوذ إلى نتائج.

وهنا يمكن أن تكون المقارنة مع الاتحاد الأوروبي مفيدة، بشرط ألا تتحول إلى دعوة للنسخ. فأوروبا لم تصل إلى التكامل لأنها تمتلك هوية حضارية مشتركة؛ فالهوية المشتركة لم تمنعها تاريخياً من الحرب. التحول الحقيقي بدأ عندما تحولت المصالح الاقتصادية إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى قواعد، والقواعد إلى قدرة مشتركة.

الهوية المشتركة قد تنتج شعوراً بالانتماء، لكنها لا تنتج وحدها نظاماً إقليمياً فاعلاً.

كما أن الاتحاد الأوروبي لم يلغِ الدولة الوطنية، بل أنشأ مستويات إضافية من القرار والقانون والمصالح، ولم يكن التكامل متساوياً في كل المجالات. وهذا ما يعطي معنى لفكرة أوروبا متعددة السرعات، وهي فكرة تحمل درساً مهماً للعالم العربي: ليس ضرورياً أن تشترك جميع الدول في جميع المشاريع أو بالسرعة نفسها، لكن يجب أن تعمل هذه المسارات داخل تصور عام للمصلحة.

والتجربة الأوروبية تعلمنا أيضاً أن التكامل يحتاج إلى شرعية. فالهوية وحدها لا تكفي، والمؤسسة وحدها لا تكفي، والقواعد وحدها لا تكفي، والقدرة وحدها لا تكفي.

الهوية من دون مؤسسة لا تكفي؛ والمؤسسة من دون قواعد لا تكفي؛ والقواعد من دون قدرة لا تكفي؛ والقدرة من دون شرعية تبقى هشة.

ومن هنا أرى أن مستقبل النظام العربي لا يحتاج بالضرورة إلى تحويل الجامعة العربية إلى حكومة فوق الدول، بل إلى صيغة أكثر واقعية يمكن اختصارها في عبارة:

جامعة للشرعية، وشبكات للقدرة.

فالجامعة يمكن أن توفر الإطار السياسي والمبادئ والشرعية، بينما تنتج القدرة العملية من خلال شبكات متخصصة ومرنة في الدفاع الجوي والأمن البحري والأمن السيبراني والطاقة والغذاء والمياه والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية.

وهنا تبرز أهمية اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، لا فقط من زاوية مضمونه الدفاعي، بل بسبب ما يكشفه عن بنية النظام الجديد. فنحن أمام دولة عربية مركزية تدخل شبكة دفاعية مع قوتين غير عربيتين لتحقيق وظيفة استراتيجية محددة. وهذا يعكس انتقالاً من السؤال التقليدي: «من ينتمي إلى أي محور؟» إلى سؤال مختلف: ما الشبكة التي تستطيع تحقيق الوظيفة الاستراتيجية المطلوبة؟

لكن هذا النوع من الشبكات يطرح تحدياً أساسياً:

هل تصبح هذه الشبكات امتداداً لقدرة عربية، أم بديلاً عن بناء هذه القدرة؟

وهنا يجب أن تكون القاعدة:

المصلحة تحدد الشبكة، لا أن تحدد الشبكة المصلحة.

إذا عرفت الدول العربية مصالحها أولاً، ثم دخلت في شراكات متنوعة لخدمتها، تصبح الشبكات مصدر قدرة. أما إذا سبقت الشبكات تعريف المصلحة، فقد تتحول الدول العربية تدريجياً إلى أعضاء في نظم مختلفة من دون أن يبقى بينها نظام استراتيجي جامع.

ومن هنا يمكن تصور نظام عربي متعدد السرعات في الأدوات، ومتعدد الشراكات في الخارج، لكنه موحد في الحد الأدنى من المصالح.

وهذا يقود إلى مفهوم المركز العربي الموزع الوظائف. فالمطلوب ليس دولة عربية مهيمنة، بل توزيع للأدوار بين دول تمتلك عناصر قدرة مختلفة، ضمن اتفاق على الحد الأدنى الذي لا يمكن التنازل عنه: سيادة الدول، وعدم تحويلها إلى ساحات، وأمن الممرات، والأمن الاقتصادي والتكنولوجي، والقضية الفلسطينية، والقدرة على التفاوض مع القوى الكبرى.

عاشراً: الديمقراطية بوصفها قوة استراتيجية

هنا نصل مباشرة إلى موضوع الجلسة.

الجيوبوليتيك لا يدخل الدولة عبر الحدود فقط، بل يدخل أيضاً عبر الانقسام الداخلي وضعف المؤسسات وأزمة الشرعية. وحين يفشل النظام السياسي في تحويل مصالح الجماعات والطوائف والفئات إلى مصلحة وطنية مقبولة، تصبح هذه المكونات أكثر قابلية للبحث عن الحماية أو التمويل أو الهوية خارج الدولة.

وهنا يتحول الانقسام الداخلي إلى قناة للنفوذ الخارجي.

ولهذا:

الشرعية الداخلية هي العمق الاستراتيجي الداخلي للدولة.

فالدول تبحث دائماً عن عمق استراتيجي خارج حدودها، لكنها تحتاج أيضاً إلى عمق من الثقة داخل مجتمعاتها. والدولة التي تمتلك جيشاً ولكنها تفقد ثقة مجتمعها قد تكون قوية أمنياً، لكنها ضعيفة استراتيجياً. والدولة التي تمتلك انتخابات لكنها لا تحتكر قرار الحرب والسلم والسياسة الخارجية، تبقى ديمقراطيتها قائمة فوق سيادة مجزأة.

ولذلك ليست المعضلة: الأمن أم الديمقراطية؟ بل:

كيف نبني دولة قوية من دون أن تصبح دولة مغلقة، ودولة ديمقراطية من دون أن تصبح دولة عاجزة؟

وأقترح المعادلة التالية:

شرعية + قدرة + احتكار قانوني للقوة + مساءلة = صمود وطني وحرية قرار.

فالديمقراطية هنا ليست الانتخابات فقط، بل آلية لتحويل تعدد المصالح داخل المجتمع إلى مصلحة وطنية مشروعة.

وهنا يوجد تشابه بنيوي مهم: داخل الدولة تتحول مصالح المواطنين والجماعات إلى مصلحة وطنية، وعلى المستوى العربي تتحول المصالح الوطنية للدول إلى مصلحة عربية مشتركة.

ولهذا يمكن القول:

إذا كانت الديمقراطية داخل الدولة تحاول تحويل تعدد المصالح الاجتماعية إلى مصلحة وطنية، فإن النظام العربي هو محاولة لتحويل تعدد المصالح الوطنية للدول إلى مصلحة عربية مشتركة.

الحادي عشر: محددات التحول الجيوسياسي حتى عام 2035

الاستراتيجية تبدأ عندما ننتقل من تفسير الحاضر إلى تحديد المتغيرات التي ستشكل المستقبل. ولا يمكن التنبؤ بصورة 2035 بدقة، لكن يمكن تحديد سبعة محددات رئيسية ستقرر إلى حد بعيد شكل النظام المقبل.

المحدد الأول يتعلق بإيران: هل تدخل في قواعد إقليمية تسمح بردع متبادل وتسويات، أم يبقى الصراع معها مفتوحاً؟ وهل تنتقل من بناء النفوذ عبر الشبكات المسلحة إلى بناء النفوذ من خلال الدولة والاقتصاد والسياسة؟ هذا المتغير سيؤثر مباشرة في العراق وسوريا ولبنان والخليج.

المحدد الثاني هو اتجاه العقيدة الأمنية الإسرائيلية. فالسؤال هو ما إذا كانت إسرائيل ستستمر في توسيع مفهوم الأمن عبر المناطق العازلة وحرية العمل، أم ستنتقل تدريجياً إلى مفهوم تصبح فيه التسويات والحدود والقواعد المتبادلة جزءاً من إنتاج الأمن نفسه. وهنا سيكون لمسار القضية الفلسطينية أثر حاسم في شرعية النظام الجديد.

أما المحدد الثالث فهو موقع تركيا: هل تستقر كقوة ترجيح بين العرب وإيران وإسرائيل والغرب، أم يتحول مفهوم الأمن الأمامي لديها إلى مجال حيوي منافس؟

ويرتبط المحدد الرابع بمستقبل الدولة والفاعلين المسلحين. فإذا استطاعت سوريا والعراق ولبنان واليمن وغيرها إعادة احتكار الدولة للقوة والقرار، فإن الدولة قد تعود الوحدة الأساسية للنظام الإقليمي. أما إذا استمرت السيادات الموزعة، فقد يبقى الإقليم مزيجاً من دول وشبكات مسلحة عابرة للحدود.

أما المحدد الخامس فيتعلق بالممرات وشبكات الثروة والتكنولوجيا. والسؤال هو هل تتحول هرمز والبحر الأحمر وقناة السويس والموانئ والممرات الجديدة إلى شبكات تعاون وازدهار، أم تصبح خطوط مواجهة. وهنا يصبح السؤال العربي تحديداً: هل يستطيع العرب الانتقال من امتلاك الموقع إلى امتلاك الوظيفة الاستراتيجية للموقع؟

المحدد السادس يتعلق بالدور الأميركي والتنافس الدولي. هل تبقى الولايات المتحدة الضامن الأمني الرئيسي؟ وإلى أي مدى تتحول الصين من شريك اقتصادي إلى فاعل استراتيجي؟ وهل يستطيع العرب تنويع الشراكات من دون الانتقال من تبعية واحدة إلى تبعيات متعددة؟

أما المحدد السابع، وهو في تقديري الأهم بالنسبة إلينا، فهو ظهور مركز استراتيجي عربي.

هل يستطيع العرب تحديد ما الذي يريدونه قبل أن يستقر النظام الجديد؟

لأن القواعد عندما تستقر يصبح تغييرها أكثر صعوبة.

الثاني عشر: ثلاثة سيناريوهات للنظام الإقليمي والعربي حتى 2035

هذه السيناريوهات ليست نبوءات، بل أدوات لاختبار الخيارات.

في السيناريو الأول، أي نظام التسوية والتوازن، تدخل إيران تدريجياً في قواعد إقليمية، وتنتقل إسرائيل بصورة أكبر نحو التسويات، وتؤدي تركيا دور قوة ترجيح، وتستعيد الدول جزءاً أكبر من احتكار القوة، وتتوسع التجارة والممرات، وتدخل فلسطين في مسار سياسي أكثر قابلية للحياة. ويمكن أن ينتج عن ذلك نظام إقليمي تفاوضي متعدد المراكز.

لكن المفارقة العربية هنا واضحة:

قد ينجح النظام الإقليمي، بينما يفشل النظام العربي في الحفاظ على مركزه داخله.

وقد يكون الشرق الأوسط أكثر استقراراً، لكن ضمن بنية تضم العرب وإسرائيل وتركيا وإيران من دون مركز عربي واضح. والتحدي عندها هو دخول السلام ككتلة مصالح، لا كدول متفرقة.

أما السيناريو الثاني، وهو التنافس المنضبط، فأراه الأكثر احتمالاً في المدى المتوسط. لا حرب شاملة ولا سلام نهائي. إيران تبقى قوة إقليمية تحت ضغط، وإسرائيل تجمع بين الردع والتفاوض، وتركيا توسع نفوذها من دون مواجهة إقليمية شاملة، بينما تنجح عودة الدولة في بعض الساحات وتتعثّر في أخرى، وتستمر شبكات الدفاع والطاقة والاستثمار والممرات.

أي أننا نعيش:

خفض تصعيد بلا سلام، وتوازن بلا تسوية.

وفي هذا السيناريو قد يصبح النظام العربي متعدد السرعات؛ تتعاون بعض الدول في الدفاع، وأخرى في الطاقة، وأخرى في التكنولوجيا والاستثمار. وهنا تصبح صيغة «جامعة للشرعية، وشبكات للقدرة» أكثر واقعية، لكن يبقى السؤال ما إذا كانت هذه الشبكات ستعمل داخل استراتيجية عربية، أم سيصبح كل بلد عربياً جزءاً من شبكة مختلفة لا يجمع بينها مركز.

أما السيناريو الثالث فهو صراع المجالات الحيوية. ففيه يفشل المسار التفاوضي مع إيران، وتتوسع العقيدة الأمنية الإسرائيلية، ويتصاعد الاحتكاك التركي–الإسرائيلي، وتتعثر عودة الدولة، وتعود الممرات إلى قلب الصراع. وعندها تصبح الدول الضعيفة ساحات تتقاطع فوقها تعريفات الآخرين لأمنهم القومي، ويتفكك النظام العربي إلى شبكات ومناطق نفوذ.

وهنا تبرز القاعدة:

البديل عن ضعف النظام العربي ليس الفراغ؛ بل نظام إقليمي يملأ الآخرون فراغه.

الثالث عشر: لبنان — الاختبار المصغر

لبنان ليس هامشاً في هذه التحولات، بل هو نموذج مصغر لها. ففيه تقاطع للمجالات الحيوية، وسيادة موزعة، وتداخل خارجي، وسؤال عن احتكار القوة، وفيه في الوقت نفسه نظام تعددي وديمقراطي يحتاج إلى الشرعية والمساءلة.

ولهذا يسمح لنا لبنان باختبار أي سيناريو يتقدم. فإذا استعادت الدولة احتكار القرار والسيادة، وتحولت العلاقات الخارجية إلى علاقات دولة بدولة، فإن لبنان يتحرك باتجاه نموذج الدولة والتسوية. أما إذا بقيت السيادة موزعة، واستمرت خطوط الأمن والمجالات الخارجية، فإنه يبقى أقرب إلى صراع المجالات الحيوية.

لكن لبنان يمثل أيضاً سؤالاً ديمقراطياً:

ما قيمة التعددية إذا بقي القرار الاستراتيجي موزعاً؟

وفي المقابل:

ما قيمة احتكار الدولة للقوة إذا لم يكن هذا الاحتكار خاضعاً للقانون والمساءلة؟

ولهذا لا ينبغي وضع الدولة والديمقراطية على طرفي نقيض. المطلوب هو:

أن نجعل الديمقراطية منتجة للسيادة، وأن نجعل السيادة حامية للديمقراطية.

ومصلحة لبنان ليست انتصار محور، بل أن يصبح دولة لا ساحة؛ أي أن يكون قرار الحرب والسلم للدولة، وأن تصبح علاقاته بإيران والسعودية وتركيا وسوريا والعالم علاقات دولة بدولة، لا مجموع سياسات خارجية مستقلة لجماعاته.

وهنا يظهر التشابه الأعمق بين لبنان والعالم العربي:

في لبنان، التحدي هو تحويل مصالح الجماعات إلى مصلحة وطنية. وفي النظام العربي، التحدي هو تحويل مصالح الدول إلى مصلحة عربية مشتركة.

وفي الحالتين:

عندما تعجز المؤسسة الجامعة عن إنتاج المصلحة المشتركة، تتجه المكونات إلى الخارج.

الخاتمة: من الجغرافيا إلى صناعة النظام

بدأت من الفكر والثروة والنفوذ، ويمكن الآن أن نرى أن العناصر لم تتغير، لكن أدواتها تغيرت. الفكر أصبح صراعاً على الشرعية والهوية والنموذج السياسي، والثروة لم تعد الأرض والنفط فقط بل التكنولوجيا والبيانات والممرات والمعادن، والنفوذ لم يعد يحتاج دائماً إلى الاحتلال؛ فقد ينتج من ميناء، أو شبكة مالية، أو تحالف، أو فاعل محلي، أو بنية تحتية.

أما الجيوبوليتيك فهو المجال الذي تتحول فيه هذه العناصر إلى قوة.

وإذا أردنا اختصار التحول الذي نعيشه، فيمكن القول إننا ننتقل من المحاور إلى الشبكات، ومن الحدود السياسية الجامدة إلى مجالات أمن قومي أوسع، ومن جيوسياسة الوكلاء إلى محاولة إعادة مركزية الدولة، ومن السيطرة على المساحات إلى السيطرة على الممرات والعقد ومصادر القدرة، ومن القوة العسكرية وحدها إلى مفهوم أوسع للقوة تدخل في قلبه التكنولوجيا والاقتصاد والشرعية.

ومن هنا لا يمكن فصل مستقبل الديمقراطية العربية عن مستقبل النظام العربي.

فالدولة التي لا تملك الشرعية يصعب عليها حماية سيادتها، والدولة التي لا تملك السيادة يصعب عليها حماية ديمقراطيتها.

ولا يكفي أن يمتلك العرب المال والجغرافيا والسكان والممرات. السؤال هو ما إذا كانوا يستطيعون تحويل هذه الموارد إلى قدرة، والقدرة إلى إرادة، والإرادة إلى مصلحة مشتركة.

فإذا كانت إيران تعرف ما تعتبره عمقها الاستراتيجي، وتركيا تعرف ما تعتبره أمنها الأمامي، وإسرائيل تحدد مجالها الأمني، والقوى الكبرى تبني شبكاتها، فإن السؤال العربي يصبح:

كيف نمنع الجغرافيا العربية من أن تصبح فقط مجالاً حيوياً للآخرين؟

وهنا أعود إلى البداية.

من لا ينتج فكرته، يتبنى فكرة غيره. ومن لا يحسن إدارة ثروته، تتحول ثروته إلى موضوع تنافس الآخرين. ومن لا يبني نفوذه، يصبح مجالاً لنفوذ غيره. ومن لا يحول جغرافيته إلى استراتيجية، تتحول جغرافيته إلى ساحة.

الشرق الأوسط الجديد يتشكل بالفعل. والسؤال ليس هل سندخله، فنحن داخله. السؤال هو:

هل سندخله كجغرافيا وثروة وسوق وممر، أم كإرادة وشرعية ومصلحة وقدرة؟

في الحرب، خطرنا أن نصبح ساحة. وفي السلام، خطرنا أن نصبح سوقاً وممراً داخل نظام يضع الآخرون قواعده. أما الخيار الثالث فهو:

أن نصبح أحد المشاركين في صناعة النظام نفسه.

وحتى عام 2035 لن يكون السؤال فقط أي نظام إقليمي سينشأ، بل:

هل سيتمكن العرب من التأثير في شكله قبل أن تتحول قواعده الجديدة إلى أمر واقع؟

وهنا يلتقي مستقبل الديمقراطية بمستقبل الأمن القومي وبمستقبل النظام العربي في معادلة واحدة:

دولة شرعية من الداخل، قادرة من الخارج، حرة في قرارها، وقادرة مع غيرها من الدول العربية على تحويل المصالح المتعددة إلى قدرة مشتركة.

فالفاعل الجيوسياسي الحقيقي ليس من يعرف فقط أين يقف عندما يتغير العالم.

الفاعل الحقيقي هو من يمتلك من الفكر والثروة والشرعية والقدرة ما يسمح له بالمشاركة في تحديد الاتجاه الذي يتغير نحوه العالم.

وهذا، في تقديري، هو التحدي الحقيقي أمام الديمقراطية العربية، وأمام الأمن القومي العربي، وأمام مستقبل النظام العربي، في آن واحد.

المقالات ذات الصلة

مديرية المخابرات تُسقط أحد أخطر المطلوبين بعد اشتباك في منطقة صبرا – بعبدا

أغسطس 29, 2026 9:25 م

شيخ العقل يتصل باللواء شقير مهنئاً بعيد الأمن العام ويقدّم التعازي في ديرقوبل وعاليه

أغسطس 29, 2026 9:04 م

النائب جميلّ السيّد عبر منصة«إكس» : غداً 30 آب…ماذا يعني هذا التاريخ؟

أغسطس 29, 2026 8:41 م
اترك تعليقاً إلغاء الرد

SIDEBAR AD
الاكثر قراءة
مقالات يوليو 27, 2026 9:27 ص

مارون الحلو… مهندسُ البِناء… و بَنَّاءُ المؤسّسات

رجلٌ آمن بأن الدولة تُبنى و لا تُوَرَّث ، و أن الأوطان لا تُشَيَّد بالشعارات…

الرئيس العماد ميشال سليمان…غادر سدّة الرئاسة وما زال يحمل همّ الوطن والتزامٌ لم ينقطع

يوليو 5, 2026 9:42 ص

تحقيق جنائي يكشف تورط تشات جي بي تي في حادث إطلاق نار

أبريل 23, 2026 8:15 ص
فيسبوك X (Twitter) الانستغرام يوتيوب واتساب تيكتوك
  • محليات
  • عربي إقليمي ودولي
  • مقالات
  • إقتصاد
  • صحة
  • رياضة
  • فن
  • متفرقات
  • من نحن
  • اتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة 2026 ©

اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter