المركزية
نجوى ابي حيدر
من مسجد الإمام الحسين في برج البراجنة، لم يترك المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان مساحة للالتباس. رئيس الجمهورية جوزاف عون كان في مرمى النيران، والسلطة التنفيذية برمتها بدت، في خطاب قبلان، وكأنها المتهم الأول في مرحلة لبنانية شديدة الخطورة.
“البلد اليوم رئاسة بلا رئيس”، قال قبلان، متهماً السلطة بأنها “تطبخ القضايا الوطنية بالبحص ولا شغل لها سوى صبّ الماء بالغربال”. ثم رفع سقف المواجهة أكثر: “دولة المزرعة لا تنفع والرئاسة الوطنية تبدأ من جنوب لبنان وجبهاته”، محذراً من أن “الاستفراد السياسي يبعدك عن شعبك”.ولم يتوقف التصعيد عند حدود انتقاد الأداء السياسي، بل ذهب قبلان إلى حد القول إن “لبنان يخوض غمار الصمود الوطني من الجنوب دون أي وجود للسلطة التنفيذية وإدارات الدولة”، داعياً اللبنانيين إلى “تنظيم أنفسهم من جديد، ومعلناً أن المرحلة الحالية فترة اختبار وطني.”
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: ماذا يريد الشيخ أحمد قبلان من رئيس الجمهورية؟ بل أيضاً: بأي صفة يخاطب الدولة؟ ومن أين يستمد حقه في وضع نفسه، ومن خلفه المنبر الديني، في موقع الوصي على خياراتها الوطنية ، علما ان الدولة لم تصبح “مزرعة” الا حينما هدمها الفريق السياسي الحزبي الذي يدافع عنه خدمة لمشغله الايراني؟ موقف الشيخ قبلان ليس حادثة منفردة ولا زلة لسان. منذ وصول السلطة الحالية إلى الحكم، تتكرر الرسائل السياسية القاسية الموجهة إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، فيما تحوّل بعض المنابر الدينية إلى منصات لتصعيد سياسي يتجاوز النقد إلى التخوين والتشكيك والاتهامات الثقيلة.فهل المطلوب ان تتحول المنابر الدينية إلى غرف عمليات سياسية، فيما أصحاب هذه الاتهامات يشغل بعضهم مواقع في مؤسسات الدولة ويتقاضون رواتبها وتعويضاتها؟ السؤال ليس موجهاً إلى طائفة بعينها، ولا يتعلق بحق أي رجل دين في إبداء رأيه. المسألة تتعلق بمبدأ بسيط: لا يمكن أن تكون جزءاً من الدولة عندما تقبض راتبها، ثم تتحول إلى خصم لها عندما تقف على المنبر.
تتوقف مصادر سيادية عبر “المركزية” عند هذا التناقض تحديداً، وتقول: لا يمكن لمن يشغل وظيفة رسمية ويتقاضى راتباً من الخزينة أن يتعامل مع كبار المسؤولين في الدولة بمنطق التخوين والعمالة. وهنا يُطرح السؤال على النيابة العامة وسائر الجهات القضائية المختصة: أين حدود القانون؟ ومتى يصبح الاتهام العلني بالخيانة أو العمالة فعلاً يستوجب المساءلة؟ وهل القانون يطبق على المواطن العادي فقط، فيما تصبح المنابر الدينية والسياسية منطقة محرّمة على القضاء؟ الأخطر أن الخطاب لا يكتفي بمهاجمة السلطة، بل يذهب إلى إعادة تعريف الوطنية نفسها وفق معيار واحد: الجنوب، والمقاومة، والسلاح. فعندما يُقال إن “الرئاسة الوطنية تبدأ من الجنوب وجبهاته”، يصبح من المشروع السؤال: هل من لا يوافق على خيار المقاومة يصبح خارج الوطنية؟ وهل الدولة اللبنانية ومؤسساتها ورئاستها وحكومتها تصبح أقل وطنية لأنها لا تتبنى خطاباً سياسياً بعينه؟ هذه ليست مسألة تفصيلية. إنها تمس جوهر الدولة اللبنانية.
والسؤال موجه هنا أيضاً ، تضيف المصادر، إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري: إلى متى يستمر الصمت أمام هذا النوع من الخطاب؟ وهل المطلوب أن تبقى الساحة السياسية مفتوحة أمام كل أشكال التصعيد، أم أن هناك حدوداً يجب أن تُرسم، خصوصاً عندما يأتي التصعيد من شخصيات تجمع بين الصفة الدينية والوظيفة الرسمية؟المطلوب ليس إسكات أحد، ولا مصادرة حق رجال الدين في الكلام. بل تطبيق القواعد نفسها على الجميع. ومن يريد أن يكون رجل دين سياسياً، فليكن. ومن يريد أن يكون معارضاً للسلطة، فليعارضها. لكن من يريد في الوقت نفسه أن يكون موظفاً لدى الدولة ويتقاضى من مالها العام، ثم يستخدم منبره لمهاجمة الدولة ورموزها، فعليه أن يجيب عن سؤال واضح: هل هو داخل الدولة أم خارجها؟ واستتباعاً، من يحاسب من يتهم الدولة ومسؤوليها؟ ومن يحمي هيبة الدولة عندما يصبح بعض من يتقاضون رواتبها في موقع مهاجمتها؟


