لم يكن الاعتدال بالنسبة إلينا في جزين يوماً شعاراً انتخابياً، ولا موقفاً مرحلياً يتبدل بتبدل الظروف والمصالح. كان ولا يزال نهجاً سياسياً ووطنياً اختبرناه على مدى أكثر من نصف قرن، وأثبتت التجربة أن فيه مصلحة جزين ومنطقتها، وأنه كان واحداً من أهم أسباب قدرتها على حماية نفسها وموقعها ودورها في أصعب المراحل.
في الاعتدال ربحنا أنفسنا أولاً كمواطنين لبنانيين، وأدركنا أن جزين لا تعيش منعزلة عن محيطها، ولا تُحمى بإثارة العصبيات والغرائز، بل بانفتاحها وبعلاقاتها وبقدرتها على أن تكون جسراً لا متراساً.
قد نكون دفعنا أثماناً سياسية لهذا الخيار، وخسرنا في مراحل معينة مقعداً أو موقعاً أو استحقاقاً. لكننا، عندما نوازن بين خسارة موقع وبين المحافظة على منطقة وأهلها ودورها، لا نتردد في معرفة أين كان الربح الحقيقي.
في المقابل، شهدنا مراراً كيف استطاع البعض، تحت تأثير خطاب غرائزي أو طائفي أو شعبوي، أن يحقق مكاسب آنية وأن يقود جزءاً من الرأي العام إلى خيارات بدت في لحظتها جذابة. لكن الشعارات شيء والنتائج شيء آخر. وما إن تهدأ الحماسة حتى يعود الناس إلى السؤال البسيط: ماذا تحقق لجزين؟
وهنا يصبح الحكم للوقائع لا للكلام.
فمنذ منتصف الثمانينات، وفي أصعب الظروف التي مرت بها منطقتنا، كان للنهج الذي نمثله دور أساسي في السعي إلى تنفيذ مشاريع حيوية ساعدت جزين وأهلها على الصمود، ثم كان له بعد التحرير دور كبير في إعادة وصل المنطقة بالدولة وفي إطلاق ورشة إنمائية وخدماتية أعادت إليها الكثير من حضورها وحيويتها.
لم نقل يوماً إن تلك المشاريع دُفعت من أموالنا الخاصة. نعم، إنها أموال الدولة، وهي أموال اللبنانيين، ومن واجب المسؤول أن يسعى إلى إعادة جزء منها إلى منطقته على شكل طرق ومياه ومدارس ومؤسسات ومشاريع إنمائية وخدماتية. ونعم أيضاً، القيام بذلك واجب وليس منّة.
لكن هنا تحديداً يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان الإنجاز واجباً، فلماذا لم يقم الجميع بواجبهم عندما أصبحت المواقع والإمكانات بين أيديهم؟
لماذا استطاع مسؤول أن يستخدم موقعه لجلب مشروع إلى منطقته، فيما اكتفى آخر، عندما شغل الموقع نفسه، بشرح لماذا لا يستطيع؟
المشكلة إذاً ليست في أن ما أنجز كان «من أموال الدولة». فكل الإنماء العام من أموال الدولة. المسألة في من عرف كيف يحوّل الموقع العام إلى وسيلة لخدمة الناس، ومن اعتبر الموقع غاية بحد ذاته.
لعل أغرب ما واجهناه عبر السنوات أن بعض الذين لم يستطيعوا إنكار مشروع قائم أمام أعين الناس، حاولوا إنكار دور من عمل لإنجازه، فإن تعذر ذلك جرى البحث عن جهة أخرى لتجيير الإنجاز إليها، وإن تعذر الأمران قيل ببساطة: «لقد قاموا بواجبهم».ونجيب بكل هدوء: نعم، قمنا بواجبنا، وسنبقى نقوم به. فقوموا أنتم أيضاً بواجبكم، وعندها تكون جزين هي الرابح الأكبر.
نحن لا نخشى أن ينجح غيرنا، بل نتمنى أن يتنافس الجميع على خدمة جزين. ولا يزعجنا أن يُستكمل مشروع بدأناه على يد سوانا، لأن المشروع ليس ملكاً لمن أطلقه، بل يصبح ملكاً للناس. وما نرفضه فقط هو أن يتحول العجز عن الإنجاز إلى محاولة لمحو إنجاز الآخرين، أو أن يصبح التشويش بديلاً عن العمل.
واليوم، مع استمرار نهج الاعتدال بقيادة المحامي إبراهيم سمير عازار، نبقى على القاعدة نفسها التي رسخها والده الراحل سمير إبراهيم عازار: الموقع السياسي وسيلة وليس غاية، والمقعد النيابي ليس قيمة بذاته إذا لم يتحول إلى قوة في خدمة جزين ومنطقتها.
لا الكرسي هو الذي يصنع النهج، ولا خسارة كرسي تنهيه.
ولهذا يستطيع من يشاء أن ينتقد، وأن يقلل من أهمية ما يتحقق، وأن يحاول تجيير إنجاز هنا أو التشويش على عمل هناك. لن ندخل في سباق على ملكية الإنجازات، لأننا نعرف لمن تعود ملكيتها الحقيقية: لجزين وأهلها.
أما التاريخ، فهو أكثر إنصافاً من السجالات اليومية. يحتفظ بما تحقق على الأرض، ويميّز بمرور الزمن بين من بنى ومن اكتفى بالكلام، وبين من جعل السياسة وسيلة لخدمة الناس ومن جعل الناس وسيلة لخدمة السياسة.
ورهاننا اليوم، كما كان دائماً، ليس على ضجيج الساعة، بل على ذاكرة الجزينيين ووعيهم. فقد يعلو التشويش لبعض الوقت، وقد تنجح الشعارات لبعض الوقت، لكن الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ كي تبقى حقيقة.
ونحن سنبقى حيث كنا:
نعتدل عندما يكون التطرف أسهل، نعمل عندما يكون الانتقاد أسهل، ونقوم بواجبنا تجاه جزين من دون منّة… ومن أراد منافستنا، فليكن ميدان المنافسة خدمة جزين.
عندها فقط، لن يكون في جزين خاسر


