العميد الركن مروان زاكي (م)
كثيراً ما نسمع أن هذا الشعب بحاجة إلى تقويم ، وكأن مشكلتنا مجرد أخطاء في السلوك تحتاج إلى بعض التصحيح . لكن بعد كل ما مررنا به ، لم يعد هذا التوصيف مقنعاً . هذا الشعب بحاجة إلى تغيير ، ليس التغيير المادي ، وإنما تغيير العقلية التي حكمت خياراته وأعادت إنتاج الواقع نفسه .
المشكلة ليست أن اللبناني لا يعرف الصواب من الخطأ ، بل أنه كثيراً ما يتعامل معهما وفق هوية من يرتكبهما . ما نرفضه عندما يصدر عن خصمنا نبرره عندما يصدر عن جماعتنا ، وما نعتبره فساداً عند الآخرين قد يتحول إلى خدمة عندما يصل إلينا .
ننتقد المحاصصة ثم نطالب بحصتنا منها ، نشتكي من الواسطة ثم نبحث عنها ، نطالب بدولة قوية ثم نريدها قوية على الآخرين .
هنا تكمن المشكلة الحقيقية . لقد تحولت الطائفية من انتماء إلى طريقة تفكير ، وتحول الزعيم من ممثل للناس إلى مرجعية تحتمي بها الناس . السؤال الدائم ، من وراءك؟ أهم من ماذا تستطيع أن تفعل؟ وأصبح الانتماء أهم من الكفاءة ، والولاء أهم من القانون ، والمصلحة الفئوية أهم من المصلحة الوطنية .
ولهذا لا يكفي أن نغيّر الأشخاص . فقد غيّرنا الوجوه والحكومات والتحالفات مرات كثيرة ، ثم عدنا إلى المكان نفسه ، لأننا لم نغيّر القاعدة التي تنتج هذه الوجوه . عندما تتغير العقلية ، تتغير الخيارات ، وعندما تتغير الخيارات ، تتغير السلطة .
التغيير المطلوب ليس إلغاء خصوصيات اللبنانيين ولا محو انتماءاتهم ، بل وضعها في مكانها الطبيعي . أن نختلف في الدين والطائفة والسياسة، لكن نتساوى أمام الدولة . أن يكون القانون فوق الجميع ، وأن يصبح معيار اختيار المسؤول كفاءته ونزاهته لا طائفته أو زعامته . وأن نرفض الخطأ عندما يصدر عن جماعتنا كما نرفضه عندما يصدر عن جماعتهم .
فالدولة لا تُبنى عندما تنتصر طائفة على أخرى ، ولا عندما ينتصر حزب على حزب ، بل عندما ينتصر منطق الدولة على منطق الجماعة ، ومنطق المواطن على منطق التابع .
وهذا التغيير لا يبدأ من القصر ولا من البرلمان ولا من الحكومة وحدها . يبدأ من المواطن نفسه ، من طريقة اختياره ، ومن قدرته على محاسبة من يمثله ، ومن رفضه أن يبيع حقه في الدولة مقابل خدمة شخصية أو حماية طائفية . فالمواطن الذي يقبل بالواسطة عندما تخدمه ، لا يستطيع أن يطالب غداً بدولة تحكمها المؤسسات .
لقد حان الوقت لأن نفهم أن المشكلة ليست في أن اللبنانيين يحتاجون إلى من يقوّمهم ، بل في أنهم يحتاجون إلى تحرير أنفسهم من عقلية جعلت الخطأ عادة ، والواسطة حقاً ، والطائفية ضمانة ، والزعيم دولة .
عندما يصبح الفاسد مرفوضاً ولو كان منا ، والكفوء مقدّراً ولو كان منهم ، والقانون محترماً حتى عندما لا يخدم مصالحنا ، نكون قد بدأنا التغيير الحقيقي .
لبنان لا يحتاج إلى شعب جديد ، بل إلى مواطن جديد . مواطن يرى أن قوته ليست في طائفته ، ولا في زعيمه ، ولا في حزب يحميه ، بل في دولة عادلة تحميه وتحمي الآخرين .
وعندها فقط لن نحتاج إلى تقويم الشعب ، لأن الشعب نفسه سيكون قد غيّر المعايير التي صنعت واقعه .
المشكلة لم تكن يوماً في أن لبنان لا يستطيع أن يتغيّر ، المشكلة أننا نريد لبنان جديداً بعقلية لبنان القديم .


