العميد الركن مروان زاكي (م)
ماذا سيقدّم أو يؤخّر الحكم بالإعدام على بشار الأسد وشقيقه ماهر ؟
لا شك أن محاسبة من ارتكب الجرائم بحق الشعب السوري حق لا يجوز التنازل عنه ، وأن العدالة ضرورة حتى لا تتحول الجرائم إلى نسيان أو إفلات من العقاب . لكن هل تحتاج سوريا اليوم إلى مزيد من العراضات حول الماضي ، أم إلى عمل حقيقي ينقذ حاضرها ويبني مستقبلها؟
ثم إن هذا الحكم ، مهما كانت قيمته القضائية والرمزية ، لا يبدو قابلًا للتنفيذ في ظل وجود الشقيقين خارج سوريا وفي روسيا . وهنا هل الأولوية لإصدار حكم لا يمكن تنفيذه في الوقت الراهن ، أم للعمل على بناء دولة تستطيع أن تحكم بالقانون ، وتحمي شعبها ، وتؤمّن له الأمن والاستقرار والحياة الكريمة؟
وكأن جوهر النشاط أصبح القتل لا الحياة ، والانتقام لا البناء ، وإصدار الأحكام لا ولادة سوريا المستقرة . وكأن الحكم بالإعدام أصبح وسيلة لإرضاء الغوغائية وإشباع رغبة الانتقام ، بدل أن يكون الهدف الأهم هو بناء الحكم الصالح والدولة القادرة على حماية شعبها .
وكأننا نريد العودة إلى تاريخ لم يتقدم ، نستعيد فيه منطق الثأر والانتقام ، بدل أن نتقدم إلى منطق الدولة والقانون والمؤسسات . فالتاريخ لا يُبنى بإحياء صراعاته ، ولا تنهض الدول بعقلية الانتقام ، بل بالعدل والعمل وبناء المستقبل .
فما قيمة الحكم على شخص بالإعدام إذا بقيت سوريا غارقة في الفقر والانقسام والخوف؟ وما قيمة الانشغال بالعقوبة إذا لم يترافق ذلك مع مشروع حقيقي لإعادة بناء الدولة؟
إن العمل على قيام سوريا الدولة ، القوية بمؤسساتها ، العادلة بقوانينها ، الآمنة لشعبها والمستقلة بقرارها ، هو في حد ذاته حكم بالإعدام على عهد الأسدين . فالتاريخ لا يهزم الأنظمة فقط بإصدار الأحكام عليها ، بل يهزمها عندما ينجح الشعب في بناء النقيض الكامل لما كانت تمثله .
لقد حكم الأسد سوريا لعقود ، لكن الحكم الحقيقي عليه لا يكون فقط في قاعة المحكمة ، بل في أن تنجح سوريا في بناء دولة لا مكان فيها للاستبداد ولا للفساد ولا للخوف ولا لتوريث السلطة .
لا تجعلوا الشعب ينشغل بالأسدين عن سوريا . فالمطلوب اليوم ليس فقط أن نحاكم من دمّر سوريا ، بل أن ننقذ سوريا مما تركاه وراءهما .
عندما تصبح سوريا دولة قوية ، ودولة آمنة ، ودولة عادلة ومزدهرة ، يكون عهد الأسدين قد صدر بحقهما الحكم النهائي ، حكم التاريخ الذي لا استئناف فيه .


