لا أحد يعرف معنى هذا المصطلح إلا تلامذة مدرسة الحكمة، وكان لي شرف الانتماء إليها في أيام الحرب. وأهمية هذا الوصف أن تلميذ الحكمة لا يتعلّم اللغات والحساب والتاريخ والجغرافيا والفيزياء والكيمياء فحسب، بل يدخل معترك الحياة باكرًا. فهو لا ينتظر نهاية سنوات الدراسة ليتعلّم ما تخبئه الحياة، بل يختبرها بكل وجوهها، ولا سيما وجهها “الشقي”. فالأجواء هناك تصنع من التلميذ رجلاً حقيقيًا، يعرف كيف يواجه الحياة بما تتطلبه من قوة وشجاعة ودهاء، وتصنع من التلميذة “أخت رجال” بكل ما للكلمة من معنى.
لا يقبل تلميذ الحكمة “الزكزكة”، ويعرف جيدًا “من أين تؤكل الكتف”. وكثيرًا ما عانى القيّمون علينا من روح التمرّد التي كانت تسكننا، ودفعنا ثمنها أحيانًا، لكننا لم نندم يومًا. نعم، كنّا أشقياء… وكنّا “زعرانًا”، ولكن بحق. لم نعتدِ يومًا على أحد، ولم نأكل حق أحد. وربّي شاهد على ذلك، كما يشهد مئات من خرّيجي الحكمة الذين يعرفون تمامًا ما أقصده. كنّا دائمًا أصحاب نخوة ومواقف، ولم يكن بيننا “فوفو” ولا “نونو” كما في بعض المدارس الأخرى.
نحن أبناء جيلٍ اعتاد الذهاب إلى ملاعب كرة القدم لمؤازرة فريقنا الأخضر في أيام “الشرقية”. وكثيرًا ما كنّا نغادر الملعب بعد مباراة صاخبة إذا شعرنا بالظلم، أو إذا طالب جمهور آخر بما ليس له. هكذا تربّينا: أوفياء، حماسيين، لا نساوم على كرامتنا ولا على انتمائنا.
ورافقنا فريق كرة السلة منذ أيام الرئيس أنطوان الشويري. صحيح أننا كنّا قد تخرّجنا من المدرسة، لكننا بقينا أوفياء لها، نرافق فريقنا في كل مكان، لأن الحكمة بالنسبة إلينا لم تكن مرحلة دراسية انتهت، بل انتماءً لا ينتهي.
أفتخر بكل “حكماوي” تخرّج قبلي أو بعدي، وأعتزّ بوصف “الحكماوي الأزعر”، لأنه بالنسبة إلينا يعني الشجاعة والوفاء والكرامة، لا الفوضى ولا التعدّي على الآخرين.
واليوم سنكون جميعًا أوفياء للنادي الأخضر، سواء خسرنا أم ربحنا. سنبقى حكماويين، وستبقى قلوبنا خضراء، وهذا وحده شرف كبير. ولا أشك لحظة في أننا نستحق البطولة، لأننا فريق مقاتل، مكافح، ولم نصل إلى المباراة النهائية صدفة، بل بالعرق والإصرار.
وإذا كانت قرارات اتحاد كرة السلة قد حرمت الحكمة من جمهوره في المنارة، وكأنها تقدّم هدية مجانية للرياضي، فليعلم كل لاعب في الفريق أن حناجرنا ستظل تهتف: “حكمة… حكمة!” أينما كنّا. صلواتنا ستملأ السماء، وشموعنا ستنير بيروت، والبخور سيغمرها كما يغمر الضباب قمم الجبال.
فالرياضي، مهما كان كبيرًا، يبقى فريق كرة سلة. أمّا الحكمة، فهي نهج حياة، وذاكرة، ووطن صغير، وأحلام لا تموت، وعائلة تمتد عبر الأجيال.
قولوا: الله… وحكمة وبس!


