سأروي اليوم قصة بطل من أبطال المقاومة اللبنانية المسيحية، ممن سطّروا صفحات المجد بدمائهم خلال معركة شكا عام 1976. هي قصة رجلٍ رحل، لكن البطولة لا ترحل، والشهداء لا يموتون في ذاكرة الشعوب. قد تمرّ السنوات، وتتبدّل الأجيال، لكن هناك أسماء تُكتب بالنور، لأنها دفعت حياتها ثمنًا ليبقى الوطن حيًّا.
ذلك البطل هو كميل رحمة.
كان كميل بكر عائلة يوسف ومريم عبود رحمة، من بلدة عيناتا الأرز، تلك القرية الشمالية الشامخة عند سفوح أرز الرب، المحصّنة بالعواصف والثلوج، والمجبولة بصلابة الصخور ونقاء الينابيع. هناك، حيث يولد الرجال كبارًا، ترعرع كميل في بيتٍ تظلّله المحبة والإيمان والكرامة، ونهل من حكمة والديه ما صاغ شخصيته الهادئة والعميقة.
امتاز بذكاءٍ لافت، ويقظة فكر، وشغفٍ لا ينضب بالعلم والثقافة. كان يرى في المعرفة رسالة، وفي التفوّق واجبًا، لذلك راوده حلم الالتحاق بالجيش اللبناني، المؤسسة التي كانت تختصر بالنسبة إليه ثالوث الشرف والتضحية والوفاء. تقدّم إلى امتحانات المدرسة الحربية، وأبهر اللجان بتميّزه في الاختبارات العلمية والنفسية والرياضية والطبية، ثم عاد إلى منزله ينتظر النتيجة مطمئنّ القلب، مؤمنًا بأن نجاحه سيكون أجمل هدية يقدّمها إلى والديه وعائلته وبلدته المقاومة.
وجاءت النتيجة كما تمنّى وأكثر؛ فقد نجح بتفوّق، متصدّرًا المراتب الأولى. لكن الرسالة وصلت إلى المنزل في غيابه، وكانت والدته مريم أول من فتح المغلّف.
وقفت الأم طويلاً أمام الورقة، والدموع تتنازع عينيها بين الفرح والخوف. فرحت لأن ابنها حقّق حلمه، وخافت لأن البلاد كانت تنحدر سريعًا نحو المجهول. كانت ترى الغيوم السوداء تتلبّد فوق لبنان، وتدرك أن المؤسسة العسكرية ستكون في قلب العاصفة. وبعد صلاة طويلة أمام سيدة بشوات، اتخذت قرارًا سيغيّر مسار حياة ابنها؛ أخفت عنه خبر نجاحه، ورأت أن مستقبله سيكون أكثر أمانًا في كلية الطب، بعيدًا من نار الحرب التي بدأت تلوح في الأفق.
كانت قد ادّخرت من تعب السنين وعرق الجبين ما يكفي لتمويل دراسته في فرنسا، مؤمنة بأن العلم قد ينقذ ابنها من رصاص الوطن.
كان حلم كميل مختلفًا، لكنه لم يشأ أن يكسر قلب أمه. فاحترامه لها كان أكبر من طموحه الشخصي. راسل جامعات الطب الفرنسية، فرحّبت جميعها به وبنتائجه المدرسية المميّزة. ودّع أهله وعيناتا، وسافر إلى فرنسا، وهناك أثبت، عامًا بعد عام، أنه كما كان متفوّقًا في لبنان، بقي متفوّقًا في جامعاتها، يتصدّر النتائج فصلًا بعد فصل، وسنة بعد سنة.
لكن في الثالث عشر من نيسان 1975، صدق حدس الأم. اشتعلت الحرب اللبنانية، وبدأ الوطن ينزف. كان كميل يدرس الطب في فرنسا، لكن قلبه بقي معلّقًا بلبنان. لم يكن يستطيع أن يتابع محاضراته من دون أن يسمع صدى القذائف في وجدانه، وكم من مرة صارح رفاقه بأنه مستعد لترك كلية الطب والعودة ليقاتل إلى جانب أهله دفاعًا عن أرضهم وكرامتهم.
ومع انتهاء عامه الجامعي في أوائل صيف 1976، قرّر أن يفاجئ عائلته بعودته من دون سابق إنذار. أقلعت طائرته من باريس إلى قبرص، ومنها أبحر إلى مرفأ جونية.
لكن ما إن وطئت قدماه أرض الوطن حتى تلقّى خبر المجازر الرهيبة التي ارتُكبت في شكا فجر الإثنين الأسود، الخامس من تموز 1976.
في ساحة جونية، التقى مجموعات من المقاتلين يستعدّون للانطلاق شمالًا. كانت البنادق على الأكتاف، والإيمان في القلوب، وصرخات النساء والأطفال في شكا تستنجد بكل ضمير حي.
لم يتردّد لحظة.
طلب بندقية، وارتدى بزّة زيتية، وأودع حقيبة سفره في منزل أحد معارفه، وكأنه كان يودع حياةً كاملة، ثم صعد إلى الآلية العسكرية التي حملته مع رجال الشرف والفداء نحو جبهات الدفاع عن الوجود اللبناني.
وصلت مجموعته إلى منطقة الكورة، حيث كانت تدور من أعنف معارك تلك المرحلة، ولا سيما عند مداخل بترومين، التي كانت تُعرف يومها بـ”موسكو الصغيرة”. وهناك، شارك كميل في الهجمات المعاكسة بكل شجاعة، رغم أنه لم يكن جنديًا محترفًا، بل طالب طب عاد من مقاعد الجامعة إلى خنادق النار، لأن ضميره رفض أن يبقى بعيدًا فيما وطنه يحترق.
لكن البطولة كثيرًا ما تختار أصحابها سريعًا.
ففي إحدى المعارك، سبقت شظيةٌ غادرة أحلامه كلّها، واخترقت جسده الفتي، لتسقط طالب الطب، ويولد الشهيد.
ارتفعت روحه من تراب الكورة إلى قمم قرنة السوداء، ومنها إلى أرز عيناتا، ثم إلى حيث لا وجع ولا حرب، حيث يسكن الشهداء في حضرة الله، وتصبح الأوطان صلاةً أبدية.
كان وقع الخبر على عائلته يفوق احتمال البشر، ولا سيما على والدته مريم، التي دفنت يومًا حلم الضابط لتحميه، فإذا بها تزفّ ابنها شهيدًا للوطن.
شيّعت عيناتا ابنها البكر، ولم يكن النعش يومها نعشًا، بل عرشًا من المجد، حملته سواعد شباب البلدة، فيما كانت أجراس الكنائس تقرع لا نواحًا، بل تمجيدًا. وخُيّل إلى المؤمنين أن القديسين الشهيدين سركيس وباخوس قد رفعا رماحهما، وأدّيا التحية العسكرية لذلك الطبيب الذي لم يُمهله القدر ليعالج جراح الناس، فداوى بدمه جراح الوطن.
وهكذا بقي كميل رحمة واحدًا من أولئك الرجال الذين لم يكتبوا أسماءهم بالحبر، بل بالدم. فالذاكرة المسيحية لا تنسى شهداءها، لأن الأمم التي تنسى شهداءها، تنسى نفسها، أما الذين ارتقوا دفاعًا عن الحرية والكرامة، فيبقون أحياء في ضمير شعبهم، ما بقي لبنان، وما بقيت أجراس الكنائس تقرع فوق جباله.


