ليس أقسى على الإنسان من أن يشعر بأن وطنه يحتاج إليه في كل شيء… إلا حين يحتاج هو إلى وطنه فلا يجده.
في لبنان، لا أحد يرفض التضحية. هذا الشعب أثبت، عبر عقود، أنه مستعد أن يصبر، وأن يعمل، وأن يبني من تحت الركام، وأن يحوّل الألم إلى أمل. لكنه لم يعد يفهم لماذا يُطلب منه دائمًا أن يدفع الثمن، فيما يبقى من أخطأ ومن أفسد ومن استغل السلطة بمنأى عن أي حساب.
أيها القائمون على الدولة…
ليست قيمة الوطن بعدد الخطب التي تُلقى باسمه، ولا بعدد الأعلام التي تُرفع في المناسبات.
قيمة الوطن تُقاس بلحظة واحدة: عندما يشعر المواطن أن كرامته محفوظة، وأن حقه لا يحتاج إلى واسطة، وأن القانون لا يسأل عن اسمه قبل أن يحكم له أو عليه.
لقد أصبح اللبناني يخاف على أولاده أكثر مما يحلم لهم. يخاف أن يتفوّقوا ثم لا يجدوا فرصة، وأن يتعبوا ثم يسبقهم صاحب النفوذ، وأن يحملوا شهاداتهم ليكتشفوا أن الكفاءة وحدها لم تعد تكفي. وعندما تصبح الهجرة مشروع الحياة الوحيد، فاعلموا أن الخلل لم يعد في الشباب… بل في الوطن الذي لم يعد قادرًا على احتضانهم.
ليس الفساد مجرد أموال تُنهب، ولا المحسوبية مجرد وظيفة تُمنح بغير حق. إنهما جريمة تُرتكب بحق الثقة. والثقة إذا انهارت، سقط معها كل شيء؛ لأن الدولة لا تقوم على الحجر، بل على إيمان الناس بعدالتها.
لا تطلبوا من اللبناني أن يثق بالمؤسسات، إذا كان يرى القانون يتبدل بحسب الأشخاص. ولا تطلبوا منه أن يحترم الدولة، إذا شعر أن حقه يحتاج إلى باب خلفي، وأن صوته لا يُسمع إلا في موسم الانتخابات.
لبنان لا ينقصه الذكاء، ولا الخبرات، ولا الطاقات. ما ينقصه هو قرار أخلاقي قبل أن يكون قرارًا سياسيًا؛ قرار يعيد الاعتبار إلى العدالة، ويجعل المنصب مسؤولية لا امتيازًا، والخدمة العامة رسالة لا غنيمة.
لسنا نكتب لأننا نكره أحدًا، ولا لأننا نبحث عن خصومة مع أحد. نحن نكتب لأننا نحب هذا الوطن أكثر مما نحب الصمت، ولأن السكوت عن الخطأ لا يصنع استقرارًا، بل يؤجل الانفجار.
إن الوطن الذي يعجز عن إنصاف أبنائه، سيخسرهم واحدًا تلو الآخر. ليس لأنهم أقل وفاءً له، بل لأنهم تعبوا من انتظار وطن يعاملهم بالعدل الذي يستحقونه.
ولذلك…
قبل أن تطلبوا من اللبناني أن يبقى…
أعطوه سببًا واحدًا يجعله يؤمن أن البقاء ليس عقوبة.
وقبل أن تطلبوا منه أن يحب وطنه أكثر…
اجعلوا الوطن يحب أبناءه أولًا.
فالأوطان لا تموت يوم تعجز خزائنها عن الدفع… بل يوم تعجز عدالتها عن الإنصاف.


