الشهادة ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، ولا صورةً تُعلَّق على الجدران، ولا خطابًا يُلقى أمام الكاميرات. الشهادة أمانة، ودم الشهيد دينٌ في أعناق الأحياء، لا يسقط بالتقادم ولا تُسقطه التسويات.
في كل الأديان، للشهيد مكانةٌ لا تُمس، لأنه دفع حياته ثمنًا لقضيةٍ آمن بها. لكن في لبنان، اعتاد كثير من السياسيين أن يقدّسوا الشهداء في الخطب، ثم يساوموا على دمائهم عندما تتغيّر الحسابات السياسية.
كم سمعنا من قسمٍ بأن دماء الشهداء لن تذهب هدرًا. كم شاهدنا مسؤولين يقفون أمام النعوش، يرفعون القبضات، ويعدون بالقصاص والعدالة، ثم لا تلبث تلك الوعود أن تتبخر عند أول تقاطع للمصالح.
واليوم، ومع عودة النقاش حول قانون العفو العام، يحق لكل لبناني أن يسأل:
هل يجوز أن تتحول العدالة إلى مادة تفاوض؟ وهل يجوز أن يشعر أهل الضحايا بأن دماء أحبّائهم أصبحت بندًا في صفقة سياسية؟
لا أحد يعترض على إنصاف الموقوفين الذين طال انتظارهم للمحاكمة، ولا أحد يرفض معالجة أي خلل في عمل القضاء، فالمحاكمة العادلة حق لكل إنسان. لكن بين تحقيق العدالة، وبين محو آثار الجريمة، مسافةٌ كبيرة لا يجوز تجاوزها.
العفو، إن لم يُبنَ على عدالةٍ كاملة، قد يتحول في نظر الضحايا إلى ظلمٍ جديد، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن الزمن قادر على إسقاط المسؤولية، وأن السياسة تستطيع أن تفعل ما لا يجرؤ القانون على فعله.
فأي رسالة نوجّهها إلى أمّ شهيد، أو زوجته، أو أولاده، عندما يرون من تسبب بمأساتهم يستفيد من عفوٍ أقرّه من كانوا بالأمس يتغنون بتضحيات الشهداء؟
العدالة ليست انتقامًا، لكنها أيضًا ليست نسيانًا.
والدولة التي تعجز عن حماية حق الضحية، تفقد تدريجيًا ثقة مواطنيها. لأن هيبة الدولة لا تُقاس بعدد القوانين التي تُصدرها، بل بقدرتها على تطبيق العدالة على الجميع، من دون استثناء، ومن دون حسابات سياسية أو انتخابية.
لقد تعب اللبنانيون من رؤية المبادئ تتبدل وفق المصالح، ومن سماع الشعارات التي تُرفع في موسم، ثم تُدفن في الموسم الذي يليه.
إذا كنتم تؤمنون فعلًا بأن الشهيد شهيد الوطن، فاحموا حقه بالعدالة، لا بالمساومات.
وإذا كنتم تعتبرون دماء الشهداء مقدسة، فلا تجعلوها سلعةً في بازار السياسة.
أما التاريخ، فلن يكتب عدد الخطب التي ألقيتموها، ولا عدد أكاليل الزهر التي وضعتموها على الأضرحة.
سيكتب فقط من حفظ الأمانة… ومن خانها.
وسيأتي يومٌ يُسأل فيه الجميع، ليس أمام محكمةٍ أرضية قد تُخطئ أو تُصيب، بل أمام عدالةٍ لا تُشترى، ولا تُباع، ولا تعرف المحسوبيات.
فدم الشهيد لا يحتاج إلى خطيب… بل إلى قاضٍ عادل.
ملاحظة:
يستند هذا المقال إلى النقاش الدائر حول مشروع قانون العفو العام لعام 2026، وإلى المواقف المعلنة للكتل النيابية، وعائلات شهداء الجيش، والقراءات القانونية والإعلامية المنشورة…..ويعبّر عن رأي كاتبه، ولا يقصد إتهام أي شخص أو جهة، أو نسبه أي وقائع أو جرائم إليهما، خارج ما هو ثابت في الأحكام القضائية أو الوقائع والبيانات الرسمية المعلنة.


