منذ طفولتهما، كان داوود ويوسف يصعدان إلى تلة رويسة عنايا، حيث يمتدّ البصر من البحر غرباً إلى جبال اللقلوق والجريد والميحال شرقاً، فتبدو القرى المعلّقة على السفوح، كأهمج وطورزيا وعلمات وفرحت، لوحاتٍ مرسومةً بيد الخالق.
هناك، بين صخور التلة وبقايا معبد قديم، وجدا ملاذاً لروحيهما. كانا يجمعان الحجارة ويرمّمان ما تهدّم منه، ثم يضعان صورةً للعذراء، ويوقدان الشموع ويحرقان البخور، ويرفعان الصلاة في سكونٍ لا يقطعه سوى هدير الريح وتراتيل الطبيعة. ومنذ تلك الأيام، وُلد في قلبيهما حلمٌ واحد: أن تقوم على هذه الربوة دارٌ للصلاة، يلتقي فيها الإنسان بالله.
لكن التلة كانت من أملاك الشيخ ملحم، أحد كبار وجهاء طورزيا، المعروف بهيبته وسلطانه، حتى إن الناس كانوا يغادرون مجلسه سائرين إلى الخلف هيبةً له. ومع ذلك، قرر الشابان أن يطرقا بابه، مؤمنين بأن الله يفتح الأبواب لمن يسير في مشيئته.
وصلا إلى ديوان الشيخ يوم كان يحتفل بولادة ابنه البكر حيدر. ولما أخبره مستشاره حسن أن فلاحين من أهمج يطلبان لقاءه، ابتسم الشيخ وقال:
«اليوم يوم فرح، ومهما كان طلبهما فأعطهما ما يريدان، وليكن ذلك هديةً بولادة ابني.»
خرج حسن يحمل البشرى، فمنح الشيخ داوود ويوسف حق زراعة أرض رويسة عنايا. وما إن غادرا حتى علّقا صورة العذراء على إحدى الأشجار، وسجدا يشكران الله على نعمته.
أمضيا عامين يزرعان التلة بالتوت والكرمة، حتى تحولت إلى جنّة خضراء، تتعانق فيها أشجار السرو والشربين مع النسيم، وكأنها حراسٌ يسبّحون الخالق بصمتهم.
وكان قانون تلك الأيام يسمح للفلاح بأن يمتلك الأرض التي يحييها أو يبني فيها مسكناً، لذلك بدأ الحلمان يكبران. جمع داوود بعض شبان أهمج، وقال لهم:
«إن الله لا يدعو إلا القلوب الشجاعة، القادرة على ترك ضجيج العالم والدخول إلى عمق حضوره. فلنبنِ في هذا المكان بيتاً للصلاة، ليكون منارةً لكل من يطلب وجه الرب.»
تأثر عدد من الشبان بكلامه، لكن بقيت العقبة الكبرى: كيف يوافق الشيخ ملحم على بيع الأرض؟
وبعد أسابيع، أصيب ابنه الصغير حيدر بحمى شديدة. استُدعي الأطباء من بيروت، وجيء بالمعالجين، لكن المرض اشتدّ حتى كاد الطفل يفارق الحياة. عندها تذكّر المستشار حسن كلام يوسف، فأخبر الشيخ بما عرضه عليه.
استدعى الشيخ الشابين وقال لهما بحزم:
«إن شُفي ابني، نلتما كل ما تطلبان، وإن فشلتما، نزعت منكما كل ما تملكان.»
دخل داوود ويوسف غرفة الطفل، وسجدا إلى جانب سريره، ورفعا صلاةً بسيطة ملؤها الإيمان:
«يا رب يسوع، أنت الطبيب الحقيقي للنفوس والأجساد. إن شئت، فامنح هذا الطفل الصحة، وليكن كل شيء لمجد اسمك وحدك.»
وما إن انتهت الصلاة حتى فتح الصغير عينيه، وانفرج وجهه، وبدأ يبكي طالباً الماء، فعادت إليه الحياة أمام أنظار والده المذهول.
اغرورقت عينا الشيخ ملحم بالدموع، وقال بصوتٍ خاشع:
«لكما الأرض كما وعدتكما، وأزيدكما عليها نصف قنطارٍ من زيت الزيتون كل عام.»
ابتسم داوود وقال:«لسنا نحن من صنع هذا، بل الله وحده، فهو الشافي والقادر على كل شيء.»
وهكذا، عاد الشابان إلى رويسة عنايا، ورمّما المعبد القديم، وبنيا إلى جواره مسكناً صغيراً، عُرف أولاً بدير التجلي، قبل أن يحمل لاحقاً اسم القديسين مار بطرس وبولس، ليصبح محبسةً للنسّاك، ومنها بدأت واحدة من أقدس الصفحات في تاريخ عنايا، التي ستستقبل بعد سنوات راهباً متواضعاً اسمه شربل، فيحوّلها بنسكه وصلاته إلى منارةٍ يشعّ نورها إلى العالم كله.


