لم يكن لبنان يومًا بلدًا فقيرًا في موارده ولا عاجزًا في قدراته. بل كان وطنًا صنع حضوره بالعلم والثقافة والانفتاح، وشكّل مساحةً للحرية والعيش المشترك في منطقة تعجّ بالصراعات. لكن سنوات طويلة من الحروب والانقسامات والفساد وسوء الإدارة دفعت هذا البلد إلى واحدة من أقسى الأزمات في تاريخه.
دفع اللبنانيون ثمن خيارات لم يصنعوها وحدهم، وتحملوا انهيارًا اقتصاديًا وماليًا غير مسبوق، فتراجعت قيمة العمل، وارتفعت معدلات الفقر، واضطر آلاف الشباب إلى الهجرة بحثًا عن فرصة حياة تليق بقدراتهم. وفي المقابل، بقيت الدولة عاجزة عن استعادة دورها الكامل في حماية مواطنيها وإدارة مؤسساتها بكفاءة.
ورغم هذا الواقع، أثبت اللبنانيون في كل محطة أنهم يملكون قدرة استثنائية على الصمود. فما زال هذا الوطن يمتلك من الطاقات البشرية والكفاءات والموارد ما يؤهله للنهوض مجددًا، شرط أن تتوافر الإرادة السياسية الصادقة، وأن تُقدَّم مصلحة لبنان على أي حسابات داخلية أو ارتباطات خارجية.
واليوم، ومع المتغيرات السياسية التي يشهدها لبنان والمنطقة، تبرز فرصة جديدة لإعادة بناء الدولة على أسس واضحة: سيادة كاملة على الأراضي اللبنانية، مؤسسات فاعلة، قضاء مستقل، إدارة شفافة، واقتصاد منتج يعيد الثقة للمواطن والمستثمر معًا. فالدول لا تُبنى بالشعارات، بل بسيادة القانون، واحترام الدستور، والمحاسبة، وإطلاق عجلة التنمية.
لقد تعب اللبنانيون من الأزمات المفتوحة، ومن تحويل وطنهم إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. وما ينتظرونه اليوم ليس المزيد من الخطابات، بل خطوات عملية تعيد إليهم الشعور بالأمان، وتمنح أبناءهم سببًا للبقاء في وطنهم بدل البحث عن مستقبل في بلاد الاغتراب.
سيبقى لبنان أكبر من أزماته، لأن قوة الأوطان لا تُقاس بحجم المحن التي مرت بها، بل بقدرتها على التعافي. وما يحتاجه لبنان اليوم ليس معجزة، بل قرارًا وطنيًا جامعًا يضع الدولة فوق الجميع، ويجعل مصلحة اللبنانيين هي البوصلة الوحيدة.
قد تكون الطريق طويلة، لكنها ليست مستحيلة. فحين تستعيد الدولة قرارها، وتُبنى الثقة بين المواطن ومؤسساتها، يصبح النهوض ممكنًا، ويعود لبنان وطنًا للحياة لا ساحةً للأزمات، ووطنًا يصنع مستقبله بإرادة أبنائه، لا بإرادة الآخرين.


