قد يعتبر البعض كلامي جنوناً، لكنّه جنون الحق في زمن الباطل. ففي داخل كل إنسان وحشٌ نائم، فإذا غاب الضمير واستُبيحت الكرامة واستُنزفت الأحلام، خرج هذا الوحش عن السيطرة.
شباب مناطقنا يحتاجون إلى الأمان والدفء والأمل، فيما يخيّم ليلٌ دامس على حاضرهم ومستقبلهم. ومع كل مأساة انتحار، نسمع من يسأل عن الأسباب وكأنها لغزٌ عصيّ على الفهم، فيما الحقيقة واضحة كالشمس لمن يريد أن يراها.
لقد تحوّلت السياسات التي يمارسها كثير من النواب والمسؤولين إلى أدواتٍ لتخدير الناس بدل إنقاذهم. فبفسادهم وسوء إدارتهم وهدرهم للفرص، سُرقت أحلام الشباب وجنى أعمارهم، وحُرموا من أبسط حقوقهم في العمل والعيش الكريم.
أمام هذا الواقع القاسي، لم يبقَ أمام كثيرين سوى خيارين: الهجرة أو اليأس. هجرة العقول التي تفرغ الوطن من طاقاته، أو الاستسلام لواقع قاتل يدفع البعض إلى حافة الانهيار. وفي المقابل، تستمر مظاهر البذخ والترف والاحتفالات الفاخرة، فيما أبناء الفقراء يواجهون مصيرهم وحدهم.
أما بعض رجال الدين الذين يفترض أن يكونوا صوت الحق والضمير، فقد اختاروا الوقوف إلى جانب السلطة بدل الوقوف إلى جانب الناس. يجلسون في الصفوف الأمامية إلى جانب السياسيين، ويصمتون عن الفساد والظلم، فيما يعاني الشباب من الفقر والإحباط وفقدان الأمل. ولو فُتحت الملفات وكُشفت الحقائق، لظهرت أسباب كثيرة يخشى أصحاب النفوذ مواجهتها.
إن المسؤولية الأخلاقية والوطنية عمّا يعيشه شبابنا اليوم لا تقع على الظروف وحدها، بل على كل مسؤول أهمل، وكل نائب صمت، وكل صاحب موقع ديني أو اجتماعي تخلّى عن دوره الحقيقي.
كفى استغلالاً للفقراء.
كفى نهباً للحقوق.
كفى تجاهلاً لصرخات الشباب.
ارفعوا أيديكم عن لقمة الناس، واتركوا لهم فرصة العيش بكرامة، قبل أن يتحوّل اليأس إلى كارثة لا يمكن احتواؤها.


