“لبنان دولة المواطنة: تحدّيات ما بعد الحرب!”
رحمة: لا سلام مستداماً مع ازدواجية القرار والسلاح والسيادة
فليفل: التحدّي ليس فقط أن تنتهيَ الحربُ، بل أن نعرفَ كيف نخرجُ منها
الأخوي: للانتقال من إدارة الأزمات والتسويات المؤقتة إلى صناعة المستقبل
تابع “ملتقى التأثير المدني” قبل ظهر اليوم مسار “الحوارات الصباحيَّة” الشهريَّة بانعقاد اللّقاء التاسع عشر في فندق جفينور – روتانا الحمرا، تحت عنوان “لبنان دولة المواطنة: تحديات ما بعد الحرب!”. وشارك في اللّقاء نخبة من الشّخصيّات الأكاديميّة، والإداريّة، والقانونيّة، والدّستوريّة، والثقافيّة، والفكريّة، والقضاة والضباط المتقاعدين، والإعلاميّات والإعلاميّين، وناشطاتٍ وناشطين في المجتمع المدني ونائب رئيس الملتقى وأعضاء من الهيئة الإداريّة، والمدير التّنفيذي للملتقى.
وقائع اللّقاء

في بداية اللّقاء الذي قدّمت له الإعلاميّة أوغيت سلامة، ونقل مباشرة على منصّات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصّة بالملتقى، كان النشيد الوطني اللّبناني، وبعده وثائقي تعريفي عن “ملتقى التأثير المدني”، ومن ثمَّ وثائقي استعراضي للِّقاء الثامن عشر الذي عقد تحت عنوان: “لبنان دولة المواطنة: تحدّيات التّواصل والإعلام!”.
كلمة رحمة

بعدها كانت كلمة الدكتور فادي رحمة عضو الهيئة الادارية في الملتقى، الذي قال: “أن لبنان يواجه مرحلة مفصلية تتجاوز وقف الحروب إلى تحدي إعادة بناء الدولة على أسس المواطنة، الدستور، الشرعية، والسيادة.” وأشار إلى “أن مرحلة ما بعد الحرب ليست مجرد إعادة إعمار تقني أو اقتصادي، بل هي معركة إعادة تكوين فكرة الدولة الجامعة والعقد الوطني، خاصة أن الحروب تفكك المعايير وتُنتج كيانات خائفة ومنغلقة”.
وشدد رحمة على “أن ما نحنُ بصددِه في لقائِنا الحواريِّ الصَّباحيِّ التّاسعِ عشر يُضيءُ على إشكاليَّةٍ وطنيَّةٍ مركزيَّةٍ تتعلّقُ بكيفيَّةِ الانتقالِ من منطقِ إدارةِ الأزماتِ إلى منطقِ بناءِ الدَّولةِ”. ذلك “أن بناء دولة المواطنة يتطلب شجاعة سياسية وأخلاقية تعيد الاعتبار للإنسان كمواطن كامل الحقوق والواجبات، بعيداً عن الولاءات الضيقة والاصطفافات، فلا سلام مستداماً مع ازدواجية القرار والسلاح والسيادة”.
وختم رحمة بالقول: “إنَّ نضالَنا من أجلِ دولةِ المواطنةِ في لُبنانَ هو نضالٌ من أجلِ حمايةِ الإنسانِ والحرِّيَّةِ والكرامةِ والتعدُّديَّةِ والثقافةِ والحياةِ. فقضيَّتُنا، كانت وما تزالُ دومًا، قضيَّةَ لُبنانَ الدَّولةِ، ولُبنانَ الشَّرعيَّةِ، ولُبنانَ الإنسانِ. لا سلامَ مستدامًا بلا دولةٍ، ولا دولةَ حقيقيَّةً بلا مواطنةٍ، ولا مواطنةَ من دونِ حقيقةٍ وعدالةٍ وثقةٍ وقرارٍ وطنيٍّ واحدٍ تحتَ سقفِ الدُّستور”ِ.
كلمة فليفل

ثمَّ تحدثت ميسّرة الحوار السيدة سهى فليفل، فاستهلت حديثها “باقتباس يعكس مآسي الحروب التي يدفع ثمنها الأبرياء بينما يتصافح القادة”، مشيرة إلى “أن لبنان شارف على نهاية حرب جديدة، وهو الذي عايش تاريخياً حروباً واحتلالات متعددة، عانى خلالها من استئثار السلطة، وتعميم الإفلات من العقاب، وبث الكراهية لطمس تاريخه المعاصر وتثبيت الشروخ العمودية والزبائنية. وأضافت أن النموذج الاقتصادي القائم على الخدمات والسياحة أثبت تهاويه عند الأزمات، مما يستدعي التطلع إلى حلم لبنان الجديد: وطن سيد مستقل، يرعى مواطنيه على قيم المساواة، تكافؤ الفرص، قبول الاختلاف، والمحاسبة الدستورية”.
ولتحقيق هذا الحلم، طرحت فليفل تحديات كبرى ومنها:
• اجتماعيّاً، “تساءلت إن كان الاختلاط القسري الناجم عن النزوح كافياً لكسر الحواجز وتجفيف الكراهية وتحويل الألم لفرصة حوار إيجابي، أم أننا بحاجة لمسارات عدالة ومصالحة تبني مواطناً ذا كرامة وتحترم ذاكرته وتاريخه المعاصر.
• سياسيّاً، بحثت في مدى قدرة الخسارات القاسية على دفع اللبنانيين للتعبير بجاذبية وديمقراطية بعيداً عن الخوف والمحسوبيات لاستعادة حق تقرير المصير.
• دوليّاً، ناقشت سبل استعادة ثقة المواطنين والعالم بلبنان كدولة سيدة قادرة على إنفاذ القوانين ومواجهة الضغوط الخارجية، وتحويل الديمقراطية إلى ممارسة يومية.”
وختمت فليفل بـ “أن التحدي الحقيقي بعد الحرب لا يكمن في نهايتها فحسب، بل في كيفية الخروج منها نحو مجتمع أقل كراهية، وحياة سياسية أكثر ديمقراطية، ودولة قادرة على حماية مواطنيها واستعادة مكانتها الدولية”.

كلمة الأخوي
بعدها كانت ورقة عمل المتحدّث في اللّقاء الصحافي جاد الاخوي الذي أكّد في مستهلها أن النقاش اليوم حول “لبنان دولة المواطنة” يمس “مستقبل البلاد الوجودي بعد الحروب والانهيارات الهيكلية واغتراب الشباب”، مشيراً إلى “أن نموذج المحاصصة الطائفية وإدارة التوازنات وصل إلى حدوده القصوى؛ مما كشف عجز المؤسسات عند كل أزمة”. وأوضح “أن الحرب الأخيرة، رغم مآسيها، أوجدت فرصة حقيقية بعدما أنهكت الصراعات اللبنانيين، لينتقل النقاش نحو دور المؤسسات الشرعية، والجيش اللبناني، وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة”.
وشدد الأخوي على “أن دولة المواطنة لا تلغي التنوع الذي يُميز لبنان، بل تنهي تحويله إلى نظام محاصصة وخوف متبادل، لتصبح العلاقة مباشرة بين الفرد والدولة على قاعدة المساواة والكفاءة”. وحدد ثلاثة تحديات رئيسية:
• “أولها “أزمة الثقة بالدولة التي تطلب قضاءً مستقلاً وإدارة شفافة ومحاسبة حقيقية لإعادة بنائها.
• ثانيها تحدي السيادة وحصر السلاح والقرار العسكري بالمرجعية الشرعية دون منطق غلبة أو تخوين، بل عبر مشروع جامع يعزز الجيش اللبناني كضمانة وحيدة.
• ثالثها طبيعة النظام السياسي التي تتطلب تطبيق الدستور، واستكمال اتفاق الطائف، واللامركزية الإدارية، فضلاً عن مواجهة التحدي الثقافي والتربوي لتغيير ثقافة الخوف والتبعية بالتعليم المدني وبناء وعي وطني مشترك.”
وتطرق الأخوي إلى البعدين الشبابي والاقتصادي، محذراً من “إحباط الشباب وهجرتهم التي تفقد لبنان مستقبله وطاقته، مما يستدعي خلق اقتصاد منتج وفرص عمل تؤمن الاستقرار والعدالة الاجتماعية، بدلاً من الارتهان للشعارات والفقر”.
وختم بالإشارة إلى “أن لبنان يقف في مئويته الثانية أمام مفترق طرق وخيار تاريخي، فالشعوب لا تعيش على القدرة على التحمل والاعتياش على الانهيار، بل تحتاج إلى مشروع وأمل”. والمطلوب اليوم “شجاعة سياسية للانتقال من منطق الجماعات والمحاصصة إلى منطق المواطنة والدولة التي تشكل المساحة المشتركة لحماية الجميع دون استهداف أو تهميش لأي مكون”. وأن “المعركة القادمة ليست عسكرية، بل هي معركة بناء وبناء وعي جديد يحرر المواطن من الخوف والارتهان”. فالبقاء وحده لا يكفي، وقد “آن الأوان للانتقال من إدارة الأزمات والتسويات المؤقتة إلى صناعة المستقبل، ووضع الدولة والمواطن ولبنان أولاً، كخيار واضح لبناء لبنان الجديد وتجاوز امتحان المئوية الثانية بنجاح”.


