العميد الركن مروان زاكي (م)
من أكثر الأخطاء شيوعاً في زمن الحروب والأزمات الخلط بين قدرة الناس على التكيف وبين تحقيق الانتصار . فحين تستمر الحياة وسط الدمار ، أو ينجح النازحون في تنظيم شؤونهم داخل المخيمات ، أو يعتاد الناس على واقع جديد فرضته الظروف ، يظن البعض أن المأساة أصبحت خلفنا وأن النتيجة تستحق الاحتفاء .
لكن التكيف ليس انتصاراً .
الإنسان يملك قدرة استثنائية على التأقلم مع أصعب الظروف . يستطيع أن يبني تفاصيل يومه داخل الخيمة كما كان يفعل داخل منزله ، وأن يبحث عن الأمل وسط الخسارة ، وأن يتمسك بالحياة مهما اشتدت المحن . وهذه القدرة تستحق الاحترام ، لكنها لا تغير حقيقة الواقع .
فالنازح يبقى نازحاً مهما نجح في ترتيب حياته المؤقتة ، والمُهجّر يبقى بعيداً عن بيته مهما استطاع التعايش مع غربته ، والخسارة لا تتحول إلى مكسب لمجرد أن أصحابها تعلموا كيف يتأقلمون معها .
المشكلة تبدأ عندما يتحول التأقلم مع المأساة إلى مبرر لتجاهلها ، أو عندما يصبح الاعتياد على الخسائر دليلاً على نجاح الخيارات التي أدت إليها . عندها ينخفض سقف الطموح من البحث عن الحلول إلى مجرد التعايش مع النتائج .
لهذا يجب التمييز دائماً بين الصمود والانتصار . فالصمود هو قدرة الناس على تحمل الأعباء والاستمرار رغم المعاناة ، أما الانتصار فهو إزالة أسباب تلك المعاناة أو تحقيق أهداف تستحق الأثمان المدفوعة .
فالمشهد الحقيقي الذي ينبغي السعي إليه ليس قدرة الناس على العيش داخل المأساة ، بل قدرتهم على الخروج منها . فالتاريخ لا يخلد الشعوب لأنها اعتادت الخسارة ، بل لأنها نجحت في تجاوزها وبناء مستقبل أفضل لأن قيمة الصمود الحقيقية تكمن في تجاوز المحنة لا في الاعتياد عليها.


