العميد الركن مروان زاكي(م)
في أواخر السبعينيات ، وكنت يومها برتبة ملازم أول في الجيش اللبناني ، انتُدبت إلى فرنسا للمشاركة في دورة تدريبية عملية استمرت خمسة أشهر في مدينة فالانس داخل فوج المشاة 75 ، برفقة زميلي الملازم صالح حاج سليمان، الذي أصبح لاحقاً عميداً متقاعداً .
كنا خارجين من أجواء أحداث ١٩٧٦ ، والدورة بالنسبة إلينا لم تكن صعبة ، بل فرصة للاحتكاك بعقلية عسكرية مختلفة . وفي مناسبة عيد الفوج ، دعا قائد الريجيمان الضباط إلى احتفال خاص ساهر بمناسبة اعتماد البندقية الفرنسية الجديدة فاماس عيار 5,56 ملم ، كبديل للبندقية القديمة 49 عيار 7,50 ملم ، بعد خروج فرنسا من حلف الناتو أيام الرئيس شارل ديغول .
خلال السهرة ، أخذ القائد يشرح بفخر مزايا البندقية الجديدة ، مقدّماً إياها كمنافس مباشر للبندقية الأميركية M16 . وعندما انتهى من حديثه، التفت إلينا قائلاً :
الضباط اللبنانيون… هل عندكم شيء تقولونه؟
من باب الثقة بالنفس . رفعت يدي ، وتناولت البندقية ، قلّبتها بين يديّ ، ثم قلت له بهدوء : سيدي العقيد
يوجد فيها Inconvénient…
ساد الصمت فجأة . تفاجأ القائد ، وكأن الأمر غير مقبول أن يأتي ملازم أجنبي لينتقد أحدث سلاح فرنسي . سألني بحدّة ممزوجة بالفضول :
وما هو؟
أجبته :
الرامي الأعسر ، الذي يستخدم يده اليسرى ، لا يستطيع الرمي بها ، لأن مخرج الظرف الفارغ سيصطدم بوجهه .
ظهرت على وجهه علامات المفاجأة والانزعاج . لكن الملاحظة كانت في مكانها . وتأكد منها .
وبعد فترة ، أُدخلت تعديلات على البندقية لمعالجة هذه المشكلة .
أما قائد الريجيمان ، فقد كتب في تقييمي عبارة لا أنساها :
ضابط لديه المقدرات العقلية والجسدية للنجاح بتفوّق .
ليست القصة للتباهي ، بل للتأكيد أن الثقة بالنفس المبنية على المعرفة تفرض احترامها ، حتى داخل جيوش كبرى ودول عظمى . أحياناً ، ملاحظة صغيرة من ضابط شاب قد تغيّر تفصيلاً في سلاحٍ تحمله دولة بأكملها .


