العميد الركن مروان زاكي (م)
في هذا البلد ، لا تبدو الطائفية مجرد نظام سياسي ، بل غريزة متجذّرة في النفوس ، تتبدّل وجوهها وتبقى حقيقتها واحدة .
يسقط عهداً طائفياً ، فنكتشف أن الطائفية لم تسقط ، بل انتقلت فقط من يدٍ إلى أخرى ، ومن خوفٍ إلى خوف ، ومن هيمنةٍ إلى مشروع هيمنة جديد .
الطائفة ترفع شعار الدولة عندما تشعر بالضعف ، وتهاجمها عندما نشعر بالقوة .
نطالب بالمؤسسات حين تكون الطائفة الأخرى ممسكة بالقرار ، لكن ما إن تتبدّل الموازين حتى تبدأ طائفتنا بالبحث عن امتيازاتها ، وعن سندٍ خارجي يحمي نفوذها ويمنحها القدرة على فرض شروطها .
لهذا يبدو لبنان وكأنه يدور في حلقة مفرغة ،
كل طائفة تشتكي من سلوك غيرها ، لكنها تسير على النهج نفسه عندما تتاح لها الفرصة .
لا أحد يريد دولة فعلية بقدر ما يريد دولة تشبهه وتخدم مصالحه وتؤمّن تفوقه .
المشكلة ليست فقط في السياسيين ، بل في ثقافة جماعية جعلت الانتماء للطائفة أقوى من الانتماء للوطن ، وجعلت الزعيم أعلى من القانون ، والخوف المتبادل أقوى من أي مشروع وطني جامع .
ولهذا كلما انهار مشروع طائفي ، خرج من رماده مشروع طائفي آخر ، وكأن البلاد عاجزة عن إنتاج حياة سياسية طبيعية .
نحن نريد الحرية لكننا نخاف من حرية الآخرين ، نريد الدولة شرط أن تكون على قياس طائفتنا لا على قياس العدالة .
لهذا يبدو المشهد وكأنه مرض مزمن . تتغيّر الأسماء ، تتغيّر التحالفات ، لكن العلّة واحدة . بلدٌ يعيش على ردّات الفعل ، وعلى انتظار سقوط طائفة لولادة طائفة أقوى ، لا لولادة وطن .
وفي ظل هذا الواقع المؤلم . هل مشكلتنا حقاً في النظام الطائفي فقط ، أم في النفوس التي لا تزال تؤمن به وتعيد إنتاجه كل مرة ؟


