يجتمع النواب السنّة في شتورا ، وغداً قد يجتمع غيرهم من طوائف اخرى في مكان آخر ، فيما يبقى المشهد اللبناني يدور داخل الحلقة نفسها : طوائف تتشاور ، وطوائف تقلق ، وطوائف تفاوض ، أما الوطن فيبقى غائباً عن الطاولة .
المشكلة ليست في اللقاء بحدّ ذاته ، بل في العقلية التي ما زالت تحكم الحياة السياسية منذ عقود ، عقلية ترى النائب ممثلاً لطائفته قبل أن يكون ممثلاً للشعب ، وترى الدولة ساحة توازنات مذهبية لا وطناً جامعاً لكل أبنائه .
لا يا سادة… هكذا لا تُبنى الأوطان .
فلبنان ليس شركة مساهمة بين الطوائف ، ولا مجموعة جزر سياسية ومذهبية متجاورة . لبنان لكل المواطنين ، لكل من يعيش فيه ويتحمّل الانهيار والخوف والضرائب والفقر .
لا لمن يختبئ خلف العصبيات كلما اهتزّ المشهد السياسي .
وربما هنا تكمن المأساة الحقيقية لاتفاق الطائف ، رغم كل ما يُقال عنه ، لم يكن في جوهره مشروعاً لتكريس الانقسام ، بل حمل فكرة الانتقال التدريجي من دولة الطوائف إلى دولة المواطنة ، وإلغاء الطائفية السياسية عندما تصبح الدولة قادرة على حماية الجميع بعدالة واحدة .
لكن الذين تولّوا التطبيق لم يكونوا رجال دولة ، بل أمراء طوائف .
بدل أن يكون الطائف جسر عبور نحو الوطن ، حوّلوه إلى نظام محاصصة دائم ، تتقاسم فيه الطوائف النفوذ والإدارات والوظائف ، حتى أصبح المواطن يشعر أن انتماءه المذهبي أقوى من انتمائه الوطني .
ربما افترض واضعو الطائف أن الزمن سيأتي بقيادات تدفع لبنان نحو المواطنة . لكن ما حصل كان العكس تماماً : جرى تثبيت الطائفية بدل تفكيكها ، وتحوّلت الدولة إلى هيكل هشّ تديره التوازنات لا القوانين .
كل لقاء يُعرَّف بأنه سنّي أو شيعي أو مسيحي ، او درزي ليس تفصيلاً عابراً ، بل دليل إضافي على أننا ما زلنا نعيش داخل منطق الطوائف ، لا منطق الدولة .
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الاجتماعات الطائفية ، بل إلى مشروع وطني يعيد للمواطن قيمته ، ويعيد للدولة معناها ، قبل أن تتحول الجزر الطائفية نهائياً إلى أوطان مستقلة داخل وطن واحد .


