في لبنان ، لا يبدو المشهد السياسي انعكاساً لدولة موحّدة بقدر ما هو مرآة لتوازن مشاريع متعدّدة . فالماروني يعيش هاجس دوره التاريخي ، والسنّي يتمسّك بموقعه في معادلة الحكم ، والشيعي يسعى إلى تثبيت قوّته السياسية والعسكرية . هكذا تتقاطع المشاريع وتتصادم ، فيتحوّل الوطن إلى مساحة شدّ حبال بدل أن يكون إطاراً جامعاً للجميع .
هذه المشاريع ، على اختلافها ، لا تنطلق دائماً من فكرة الدولة ، بل من فكرة الطائفة ككيان مستقل يسعى إلى حماية نفسه وتعزيز نفوذه . ومع غياب ثقة حقيقية بين المكوّنات ، يصبح كل طرف أسير هواجسه ، فيبني سياساته على الخوف أكثر مما يبنيها على الشراكة . والنتيجة نظام هشّ ، يتكرّر فيه التعطيل وتُعاد فيه الأزمات بأشكال مختلفة .
أمّا الأقليات ، فهي ليست خارج هذا المنطق . فهي ، وإن بدت أقل حضوراً ، تحمل بدورها مشاريعها الكامنة ، والتي قد تتحوّل إلى مشاريع فاعلة لو توافرت لها عناصر القوة . وهذا يؤكّد أن المشكلة لا تكمن في حجم الطائفة ، بل في بنية النظام نفسه ، الذي يربط السياسة بالهوية الطائفية بدل أن يحرّرها منها .
إن الخروج من هذا المأزق لا يكون بتبديل موازين القوى بين الطوائف ، بل بإعادة تعريف الدولة . دولة تقوم على المواطنة لا على المحاصصة ، وعلى القانون لا على التوازنات ، وعلى الانتماء الوطني لا على الانتماءات الجزئية . من دون ذلك ، سيبقى لبنان ساحة مشاريع متنازعة ، لا وطناً يجمع أبناءه تحت فكرة واحدة .


