في أعقاب الحروب، لا تقتصر الجراح على الأرواح والعمران فحسب، بل تمتد لتؤثر في مسار العدالة، حيث يستيقظ المجتمع على واقع قانوني مرير يتجاوز النصوص المكتوبة.
إن أخطر ما نواجهه اليوم كقضاة ومحامين هو حالة الجمود القسري التي أصابت المحاكم، فبين محاكم توقفت عن العمل وأخرى أُغلقت أبوابها في مناطق النزاع ضاعت حقوق وتكدست ملفات بآلاف الدعاوى التي تنتظر الفصل فيها، مما أوجد فراغ زمنياً وإجرائياً يعرض حقوق المواطن للخطر.
كما يزداد المشهد تعقيداً مع ظاهرة فرز السكان والتهجير القسري التي مزقت النسيج الإجتماعي، فكيف يمكننا تحقيق العدالة والمتقاضون مشردون لا عناوين واضحة أو أماكن ثابتة لهم، والتبليغات القضائية متعثرة والمهل القانونية تمضي وإن أتيح تمديدها أحياناً.
إن التحدي الأكبر يكمن في تلك القضايا التي لم تخطر على البال وهو الخوف من ضياع سجلات المحاكم والعقارات تحت الركام إذا طالها الدمار لا سمح الله، إلى فقدان الناس لصكوك ملكياتهم وأوراقهم الثبوتية، ناهيك عن طمس الحدود والمعالم العقارية بفعل التدمير الممنهج للقرى، مما يجعل إثبات الحق في القرى المهجرة معركة قانونية قائمة بذاتها.
ليس هذا فحسب، بل شهدت العلاقات التعاقدية تغيرات كبيرة، فأصبحت الإلتزامات المالية والتأجيرية عبئاً ثقيلاً يصعب تحمله في ظل صعوبة التنفيذ وضعف السيولة، ونزوح عدد كبير من المستأجرين وما ترتب عليه من أعباء على المالكين.
إننا اليوم أمام ضرورة ملحة لا تقبل التأجيل، تفرض إستحداث منظومة تشريعية إستثنائية تواكب تداعيات الكارثة وتتجاوز الجمود الشكلي للنصوص، بما ينسجم مع واقع القوة القاهرة وما أفرزته من إختلالات عميقة ويؤمن حماية فعلية للحقوق وفي مقدمتها صون ملكيات الغائبين من أي تعدٍ أو وضع يد، وتنظيم أوضاع المفقودين وحقوق ورثتهم بآليات إستثنائية واضحة.
صفوة القول، إن العدالة في زمن ما بعد الحرب ليست مجرد تطبيق للنصوص، بل هي رسالة إنسانية تهدف لترميم ما حطمته الأزمات، وضمان أن يظل حق التقاضي متاحاً لكل مهجر ومنكوب، كي لا تضيع الحقوق بين ركام الحروب وعقبات الإجراءات.


