خاص «Nicolas News»
لم تكن اتفاقيات أبراهام، التي انطلقت عام 2020، مجرد خطوة دبلوماسية لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، بل دشّنت مسارًا سياسيًا جديدًا أعاد طرح أسئلة قديمة حول مستقبل الشرق الأوسط : هل يمكن بناء السلام انطلاقًا من المصالح المشتركة، أم أن معالجة جذور النزاعات تبقى شرطًا لا غنى عنه لاستقراره؟
بدأ هذا المسار مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين، ثم اتّسع ليشمل المغرب والسودان، برعاية أميركية، وإن اختلفت طبيعة الالتزامات ومستويات تنفيذها بين دولة وأخرى. وقد استند إلى مقاربة تقوم على تقديم التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والأمني بوصفه مدخلًا لتجاوز عقود من القطيعة، وفتح آفاق جديدة أمام العلاقات الإقليمية.
ولم تكن هذه المقاربة بعيدة من التحولات التي شهدتها المنطقة، حيث أخذت المصالح الاقتصادية والتحديات الأمنية والتحالفات المتغيّرة تحتل مساحة متزايدة في حسابات الدول، إلى جانب القضايا السياسية والتاريخية التي لم تجد طريقها إلى الحل.
ويرى مؤيدو الاتفاقيات أنها فتحت أبوابًا كانت موصدة، وأسهمت في تنشيط التبادل التجاري والاستثمارات، وتوسيع مجالات التعاون في التكنولوجيا والطاقة والسياحة والأمن، فضلًا عن إقامة قنوات اتصال مباشرة بين دول لم تكن تربطها علاقات دبلوماسية رسمية.
لكنّ المعارضين ينظرون إلى المشهد من زاوية مختلفة، معتبرين أن تجاوز القضية الفلسطينية في مسار التطبيع لا يعني تجاوزها في الواقع، وأن بناء علاقات بين الحكومات لا يكفي وحده لصناعة سلام تتقبّله الشعوب. فالقضايا التي تبقى معلّقة لا تفقد ثقلها لمجرد غيابها عن طاولة التفاوض.
وجاءت الحرب في غزة، وما رافقها من توترات إقليمية، لتضع هذا المسار أمام اختبار بالغ الحساسية. فقد أظهرت التطورات أن استمرار العلاقات الدبلوماسية لا يحول بالضرورة دون تصاعد الخلافات السياسية والضغوط الشعبية، وأن التعاون الاقتصادي، مهما اتّسع، لا يعزل المنطقة عن تداعيات النزاعات المفتوحة.
وفي المقابل، ظلّ توسيع دائرة اتفاقيات أبراهام هدفًا حاضرًا في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن توسيع شبكة العلاقات بين دول المنطقة قد يسهم في إعادة ترتيب التوازنات وتعزيز فرص التعاون والاستقرار.
أما لبنان، فلا يمكن اختزال موقعه من هذه التحولات بموقف مؤيد أو معارض لاتفاقيات أبراهام. فالمسألة تتصل بتعقيدات سيادية وأمنية وسياسية وقانونية، وبملفات الحدود والاعتداءات الإسرائيلية والقضية الفلسطينية، فضلًا عن ضرورة أن يكون أي قرار مصيري نابعًا من مؤسسات الدولة الدستورية، لا من حسابات خارجية أو موازين قوى مفروضة عليها.
ولعلّ السؤال الأهم لا يكمن في عدد الدول التي قد تنضم مستقبلًا إلى هذه الاتفاقيات، بل في طبيعة السلام الذي يمكن أن تنتجه. فثمة فارق بين تطبيع العلاقات الرسمية وبناء الثقة بين الشعوب، وبين فتح الأسواق وفتح الطريق أمام تسويات عادلة ومستدامة.
لقد أثبت تاريخ المنطقة أن الاتفاقات السياسية تستطيع تغيير شكل العلاقات بين الدول، لكنها لا تملك وحدها القدرة على محو الذاكرة أو إنهاء المظالم أو معالجة جذور الصراعات.
فالسلام الذي تصنعه المصالح قد يفتح الأبواب، لكنّ السلام الذي تصونه العدالة هو وحده القادر على إبقائها مفتوحة.


