القرار اهم من الإمكانات…
والوطن لا يحتمل
الانتظار .
عندما يناقش محللون من مدنيين وعسكريين في الإذاعة والتلفزيون إمكانات الجيش اللبناني وقدرته على فرض سلطة الدولة ، تتباين مواقفهم تبعاً لميولهم الطائفية وحساباتهم السياسية ومصالح الجهات التي يؤيدونها . فيؤيد بعضهم تطبيق القوانين وبسط سلطة الدولة ، فيما يحذّر آخرون من أن ذلك قد يؤدي إلى حرب أهلية . وهنا يصبح من الضروري التمييز بين محدودية الإمكانات وغياب القرار السياسي .
لا أحد ينكر أن إمكانات الجيش محدودة ، وأن فرض سلطة الدولة يواجه تعقيدات سياسية وأمنية . لكن تحويل هذه الصعوبات إلى مبرر مسبق لعدم التحرك يعني التسليم بالعجز ، وترك الدولة رهينة موازين القوة وردود الفعل ، بما يسمح باستمرار واقع يتعارض مع سيادتها ودورها في حماية الوطن والمواطنين .
فالجيش لا يعتمد على إمكاناته المادية وحدها ، بل يحتاج إلى خطة مدروسة تتناسب مع قدراته والظروف المحيطة به ، وتتيح له تنفيذ مهمته ضمن القانون . وقد تفرض الظروف اعتماد مراحل متدرجة في التنفيذ ، أو معالجة بعض العقبات قبل الانتقال إلى خطوات أخرى ، لكن ذلك يختلف عن التراجع أمام الصعوبات وتركها تتحكم بمسار الدولة .
نحن أمام معضلة وطنية لا يجوز الاستمرار في تأجيل معالجتها . فإما أن تتمكن الدولة من بسط سلطتها وسيادتها وأخذ قرارها ، ويكون قرار الحرب والسلم بيدها ، وإما أن يستمر واقع ازدواجية السلطة والسلاح ، بما يحمله من مخاطر على لبنان ومستقبله ، ويكرّس عجز المؤسسات عن القيام بواجباتها كاملة .
لقد تحوّلت المسألة إلى عملية عضّ على الأصبع ، فيما يبقى الوطن رهينة الانتظار وتراكم المخاطر . والأخطر هو التحذير من أن اتخاذ القرار وتطبيق القوانين قد يؤديان إلى حرب أهلية ، وكأن أسباب التوتر والانقسام وموجبات المواجهة غير موجودة أصلاً في الوضع الراهن .
فالحرب الأهلية في لبنان تبدو وكأنها غبّ الطلب ، حاضرة عند كل استحقاق جاهزة عند أي إشكالية ، فيما مخاطرها قائمة أصلاً في الواقع اللبناني . فازدواجية السلطة والسلاح ، والانقسام الداخلي ، وتضارب المصالح السياسية ، عوامل تجعل معالجة هذا الواقع ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل . واستمرار الوضع القائم لا يضمن السلم الأهلي ، كما أن الخوف من المواجهة لا يعالج أسباب الأزمة ، بل قد يتركها تتفاقم حتى تصبح معالجتها أكثر صعوبة وكلفة على الوطن .
المطلوب ليس التهوّر أو الدخول في مواجهة غير محسوبة ، بل تحرّك جدي لمعالجة هذه المعضلة ، يستند إلى خطة واقعية تأخذ في الاعتبار الإمكانات المتاحة والظروف الأمنية والسياسية . فالدولة لا تستجدي سلطتها ، ولا تنتظر موافقة أحد على ممارستها ، فالسلطة مسؤولية ، والقانون واجب التطبيق . وتقع على السلطة السياسية مسؤولية اتخاذ القرار وتأمين مستلزماته ، فيما يتولى الجيش تنفيذ مهمته ضمن القانون والإمكانات المتاحة .
إن محدودية الإمكانات لا تعني استحالة تحقيق الأهداف ، بل تفرض حسن التخطيط وتحديد الأولويات وتطوير القدرات وفقاً للحاجة . أما غياب المعالجة الجدية ، فيترك لبنان غارقاً في الفوضى التي يتيح استمرارها ان تتحول إلى عامل يهدّد السلم الأهلي ويفتح الباب أمام الحرب الأهلية .
لبنان بحاجة إلى معالجة تعيد الاعتبار لسلطة الدولة وسيادة القانون ، وتحميه من أن يبقى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين ومصالحهم . فالأوطان لا تُحمى بتعداد المخاطر والتحذير من نتائج مواجهتها ، بل بمعالجة أسبابها وتحمل المسؤولية الوطنية بعيداً عن الحسابات الضيقة التي تجعل مصلحة الدولة مؤجلة أمام موازين القوى .
ويأتي التصريح المنسوب إلى حزب الله ، عقب مصادرة المتفجرات ، والتحذير من أن السلم الأهلي في خطر إذا لم تأخذ الدولة بنصائحه .إن السلم الأهلي لا يُصان بفرض الشروط على الدولة أو بتهديدها ، بل باحترام القانون والاحتكام إلى المؤسسات الشرعية .
أما تحويل كل إجراء قانوني إلى ذريعة للتحذير من الحرب الأهلية ، فيمنح الأمر الواقع قدرة على تعطيل الدولة ويجعل تطبيق القانون موضع تفاوض بدلاً من أن يكون واجباً لا استثناء فيه .
الوطن لا يحتمل الانتظار ، وبسط سلطة الدولة لا يتحقق بتبرير العجز أو تأجيل المعالجة ، بل بتحمل المسؤولية والعمل الجدي لاستعادة السيادة وتطبيق القانون .


