
بعد اتصال هاتفي من قبل أحد الكهنة الاصدقاء وقد امتد لأكثر من ساعة، يحدثني عن ألمه وعن وضع الكنيسة الملكية هذه الأيام الصعبة. اخذت يراعي كاتبًا لا تشهيرًا، ولا شماتةً. بل اكتب رافعًا وجع أبناء أبرشيّة طرابلسَ وسائرِ الشمالِ للرومِ الملكيّينَ الكاثوليكِ، التي استيقظتْ الأسبوع الماضي على خبرِ نقلِ راعيها، سيادةِ المطرانِ إدوارَ جاورجيوسَ ضاهرَ، من كرسيِّ طرابلسَ إلى كرسيِّ الأردنِ.

غبطةِ البطريركِ يوسفَ العبسيِّ قال انتُخِبَ. والحقيقةُ القانونيّةُ تقولُ نُقِلَ.
أوّلًا:
التقليدُ الأنطاكيُّ العريقُ يقولُ: الأسقفُ عريسُ أبرشيّتِه.
الزواجُ لا ينحلُّ إلّا لعلّةٍ خطيرةٍ. وهذه تشترطُ سببًا جسيمًا للنقلِ، وموافقةَ السينودسِ، وموافقةَ الكرسيِّ الرسوليِّ.
ويحقُّ للأسقفِ نفسِه أن يطلبَ النقلَ إذا رأى لأسبابٍ صحيّةٍ أو رعويّةٍ أو شخصيّةٍ أنّه لم يعدْ قادرًا على الخدمةِ.
وهنا السؤالُ الذي يدورُ في المجالسِ وبين الكهنة اجمعين:
إذا كان سيادةُ المطرانِ صالحًا وقديرًا – وهو كذلكَ بشهادةِ الجميعِ – فلماذا لا يبقى ويستفيدُ منه أبناءُ أبرشيّتِه التي أحبّها وأحبّته؟ وإن كان، لا سمحَ اللهُ، غيرَ قادرٍ على حملِ ثقلِ طرابلسَ بكلِّ تعقيداتِها، فهل يكونُ الحلُّ أن نرسلَ هذا الثقلَ إلى أبرشيّةِ الأردنِّ التي هي الأخرى تحتاجُ إلى راعٍ قويٍّ بعدَ فترةِ تدبيرٍ بطريركيٍّ طالتْ؟ هل نعالجُ جرحًا بجرحٍ آخرَ؟
ثانيًا:
لماذا يرفضُ الكهنةُ كرسيَّ طرابلسَ؟ هذا هو الجرحُ الأعمقُ الذي لم يعدْ سرًّا. همسَ به أكثرُ من مصدرٍ مقرّبٍ من السينودسِ: عددٌ من الكهنةِ الأجلّاءِ، من الرهبانِ والعزّابِ، اعتذروا عن قبولِ الرسامةِ الأسقفيّةِ على طرابلسَ. لماذا؟ وهنا يجبُ أن نتوقّفَ بصدقٍ أمامَ المرآةِ:
هل هي مهابةُ الكرسيِّ وشعورٌ بعدمِ الاستحقاقِ؟ وهذا مفهومٌ ومقدّسٌ.
أم لأنّ الوضعَ الماديَّ للأبرشيّةِ يرثى له؟ أبرشيّةُ طرابلسَ هي أفقرُ أبرشيّةٍ ملكيّةٍ في لبنانَ. لا أوقافَ تدرُّ، لا مدارسَ كبرى، لا مستشفياتِ. رعاياها مشتّتةٌ، ومعظمُها قرىً فقيرة. أم لأنّ عددَ الكهنةِ قليلٌ جدًّا؟ الكاهنُ هناكَ يخدمُ ثلاثَ رعايا، يقطعُ عشراتِ الكيلومتراتِ كلَّ أحدٍ. أم – وهذا هو الأصعبُ – لأنّ هناكَ شعورًا بأنّ العملَ في طرابلسَ صعبٌ روحيًّا ورعويًّا بسببِ الواقعِ الإسلاميِّ الكثيفِ والوضعِ الأمنيِّ والتهميشِ التاريخيِّ للمسيحيّينَ فيها؟
ثالثًا:
إلى أينَ نحنُ ذاهبونَ؟ هل نحنُ أمامَ بدايةِ ليتنةٍ جديدةٍ؟ هل ستنصهرُ أبرشيّةُ طرابلسَ الملكيّةُ الصغيرةُ في كيانٍ أكبرَ، كالكنيسةِ اللاتينيّةِ في الشرقِ، بحجّةِ عدمِ القدرةِ على الاستمرارِ؟
أم أنّ الحنينَ سيأخذُ البعضَ إلى التفكيرِ بالعودةِ إلى الكنيسةِ الأمِّ الأرثوذكسيّةِ، حيثُ لطرابلسَ متروبوليتٌ قويٌّ وحضورٌ تاريخيٌّ لا ينكسرُ؟
طرابلسُ ليستْ ملفًّا إداريًّا يُنقلُ من درجٍ إلى درجٍ. طرابلسُ هي كرسيٌّ شهدَ له التاريخ، كاتدرائيّتُها في قلب العاصمة معلم روحي وتاريخي، ليستْ حجرًا، بل ذاكرةُ شعبٍ.
ما اطلبُه اليوم كما كلُّ الملكيين ليسَ ثورةً، بل تدخّلَ الروحِ القدسِ:
نطلبُ من السينودسِ المقدّسِ مصارحةَ الشعبِ مصارحةً كاملةً. لماذا نُقِلَ المطرانُ إدوارُ؟ هل بطلبٍ منه أم بقرارٍ سينودسيٍّ ؟ الشفافيّةُ تشفي. نطلبُ خطّةَ إنقاذٍ حقيقيّةً لطرابلسَ: ليسَ فقطْ تعيينَ مطرانٍ جديدٍ، بل تأمينَ مقوّماتِ بقائِه. صندوقَ دعمٍ مركزيٍّ من البطريركيّةِ، وإرسالَ كهنةٍ شبابٍ متحمّسينَ. ونطلبُ فتحَ نقاشٍ لاهوتيٍّ وقانونيٍّ جريءٍ : لماذا لا نفكّرُ برسامةِ كهنةٍ متزوّجينَ مستحقّينَ للأسقفيّةِ كما كانَ تقليدُنا الأنطاكيُّ الأوّلُ؟
يا آباءَنا، لا تتركوا طرابلسَ يتيمةً مرّةً أخرى . ابنُ طرابلسَ لا يريدُ أن يندمجَ ولا أن يعودَ إلى الوراءِ، يريدُ أن يبقى ملكيًّا كاثوليكيًّا أنطاكيًّا فخورًا، لكنّه يريدُ راعيًا مقيمًا، ثابتًا، يحملُ صليبَه معَه ولا يُنقلُ كقطعةِ شطرنجٍ.
اصلي للروحِ القدسِ أن يتدخّلَ، قبلَ أن يصبحَ الكرسيُّ شاغرًا إلى الأبدِ.


