لم يعد الخلاف في لبنان محصوراً في مخالفة القانون ، بل أصبح الخلاف السياسي قادراً على تحويل خطوات الدولة إلى مادة للتشكيك والتجاذب ، حتى عندما تتعلق بمفاوضات يفترض أن تُدار بمسؤولية وطنية .
إن قضية سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ، ندى حمادة معوض ، تتجاوز شخص السفيرة إلى طبيعة العلاقة بين القرار الرسمي والمصالح السياسية التي تعارضه .
فالسفيرة تنفّذ مهمة رسمية ضمن التفويض الممنوح لها ، وتملك هامشاً من المناورة الدبلوماسية للوصول إلى ما يمكن تحقيقه بالتفاوض . أما تحديد الأهداف والحدود التي يمكن القبول بها ، فيبقى من مسؤولية الدولة ، لا السفيرة .
وقد أكدت وزارة الخارجية أن المهمة الموكلة إليها جاءت بتفويض من رئيس الجمهورية ، بالاتفاق مع رئيس الحكومة . فأي إشكالية في أدائها تُعالج عبر الدولة التي كلّفتها ، لا بتحويل القضية إلى مواجهة سياسية أو تحميلها مسؤولية قرارات لم تتخذها .
وفي هذا السياق ، قرر مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية حفظ الإخبار المقدّم ضدها ، ما يستوجب التمييز بين تقديم شكوى وثبوت ارتكاب مخالفة .
لكن الأهم هو توقيت هذه القضية وانعكاساتها على موقف لبنان التفاوضي . فإذا كان هناك اعتراض على أصل التفاوض أو على الإطار الذي يجري ضمنه ، فليُطرح الاعتراض بوضوح ، ولتتحمل الجهات المعترضة مسؤولية موقفها . أما استهداف ممثلة الدولة التي تنفّذ مهمة رسمية ، فقد يؤدي إلى إرباك المفاوضات وإضعاف موقع لبنان بدلاً من حماية مصالحه .
وقد تكون هذه القضية هي التشويش على رئيس الجمهورية ، لكن استهداف السفيرة قد تحوّل إلى وسيلة للضغط على المسار الذي يتولاه رئيس الجمهورية بالتنسيق مع رئيس الحكومة .
إن الدولة التي تفوّض ممثليها التفاوض ، ثم تتركهم عرضة للتشهير والملاحقة كلما اعترض طرف سياسي على خياراتها ، تضعف قدرتها على إدارة سياستها الخارجية ، وتبعث برسالة سلبية إلى الجهات التي تتفاوض معها .
المطلوب ليس منح أي مسؤول حصانة من القانون ، بل المطلوب معالجة أي مخالفة مثبتة وفق الأصول ، ومنع تحويل المساءلة القانونية إلى أداة للتجاذب السياسي .
إذا كان الاعتراض على المفاوضات ، فليكن على قرار الدولة ، لا على السفيرة التي تنفّذ مهمتها . فإضعاف المفاوض اللبناني لا يحمي لبنان ، بل يضعف موقفه في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى توحيد قراره الرسمي وحماية مصالحه الوطنية .


