في مدينة أثقلتها الأزمات، هنالك من يؤمن بأن الخلاص يكون بالمعرفة، وبأن استعادة الأدوار المفقودة لهذا الوطن الصغير تكون بالعودة إلى أصل الحكاية، الفكر والابداع و الثقافة. هذه كانت البداية منذ عصر النهضة مرورا بطول القرن العشرين وعرضه، وهذه كانت العنصر الجاذب والمؤسس للأدوار الأخرى.
يحمل الإقبال الكبير من مختلف الاعمار على معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، المستمر حتى الأحد، دلالة تستحقّ التوقّف، إذ تبين أن الرهان على عودة قوية للكتاب في محله، وتبين أنه ما يزال قادراً على استدعاء الناس إلى لقاء يتجاوز البيع والشراء، ويعيد وصلهم بما يجعل حياتهم أكثر غنى. ويأتي الملف الذي خصّصته النهار أمس للنشر والقراءة ليفتح، من قلب هذا المشهد، بابا الى مستقبل الثقافة للذين سيحملون مسؤوليتها.
لقد بالغ البعض في رثاء المثقف القديم، فيما تتكوّن اليوم فئة من “المثقفين الجدد” أو “مثقفي زمن الذكاء الاصطناعي”. إذ إن هؤلاء يدخلون إلى المعرفة من أبواب مختلفة، وتحركهم أسئلة تخصّ حياتهم ومستقبلهم، من دون حاجة إلى الانتساب لتيارات فكرية أو سياسية سابقة لكي يكتسب فضولهم مشروعية ثقافية.
المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، الذي أثار الخوف على القراءة، تبين أنه يقود إليها. فالمحاورة معه تشرح مفهوماً وتضيء سياقاً، وبذلك توقظ لدى شاب أو شابة من الجيل z أو سواه، رغبة في متابعة الفكرة والعودة الى مصدرها والتعرّف إلى صاحبها. ومن سؤال إلى آخر، ينشأ الفضول الذي يقوده إلى الكتاب، حيث يكتشف الفرق بين تلقّي الخلاصة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي والولوج إلى عالم المعرفة الحقيقي بمرافقة عقل الكاتب في رحلته المعرفية والإبداعية.
كثيرون يقفون خارج المعرفة لأنهم لا يعرفون من أين يبدأون، أو لأن لغتها تبدو موصدة أمامهم. وعندما يلجونها من باب الذكاء الاصطناعي تنخفض رهبة البداية، لأن تذوّق الفهم يوقظ شهيّة القراءة. وبذلك يتحول الذكاء الاصطناعي جسرا إلى المصادر الأصلية، ولهذا السبب يبدو لزائري المعرض أن الكتاب يستعيد جاذبيته لما يتيحه من عمق وتأمّل وصحبة لا تغني عنها الإجابات السريعة.
لطالما التصقت صفة المثقف باليسار، حتى بدا تراجعه انحساراً للثقافة نفسها. ومع تقدير إسهامه الكبير، فإن المعرفة لا تختصرها مدرسة فكرية أو سياسية. وللأجيال الجديدة أن تقرأ ما تريد، وأن تختبر الحياة بعيداً عن خيبات مثقفي القرن العشرين. هذا ما ستطرحه ندوة اليوم في معرض الكتاب حول أزمة المثقف العربي، مع الكاتب والمفكر عبد الحسين شعبان.
إحدى فضائل شعبان أنه بمثابرته على العطاء يقيم جسرا بين عدة اجيال وينقل الشعلة من جيل ستينات القرن الماضي ويترك لحامليها اليوم حرية الطريق. فهو يقدّم خبرة قل نظيرها ويفتح باباً لهذا الجيل ويترك له متعة الاكتشاف ومشقّة الاختبار.
أهمية المثقف التقليدي، إذا صح التعبير، في أن يواصل العبور مع مثقفي الذكاء الاصطناعي، فاهتمامه بأسئلة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يجعل الحاضر زمنه أيضاً، فيبقى معاصراً بقدر استعداده للتعلّم وقدرته على تجديد أسئلته.
أما مهمة المثقفين الجدد ستكون في ترويض القدرات التقنية الهائلة وتسخيرها للمعرفة وتسهيل الإبداع وخدمة البشر. وذلك يبدأ بفحص الإجابات والعودة إلى المصادر. وهنا تبرو مسؤولية الناشرين والمدارس والجامعات والمكتبات لأنه سيتعين عليها أن تعرف كيف تستقبل الفضول، وتدلّ طالب المعرفة على كتاب.
من هذه الزاوية يمكن فهم الإقبال الكبير على معرض الكتاب هذه السنة، إذ أنه يتحول الى مكان ولادة القارئ الجديد، بقدر ما هو فرصة للقاء القارئ القديم. وفي كليهما استمرار وتجدد لوظيفة بيروت الثقافية.


