بعد الإخفاق في تحقيق أهداف الحرب ضد إسرائيل ، هل يحاول حزب الله نقل المواجهة إلى الداخل اللبناني ، لتعويض ما خسره في الخارج واستعادة نفوذه وفرض شروطه؟
وإذا صحّ أن تهريب المواد المتفجرة يستهدف الداخل ، ألا يعني ذلك فتح باب جديد أمام التوتر وعدم الاستقرار ، بدلاً من مراجعة نتائج الحرب وأثمانها الباهظة؟
حين لا تحقق الحرب أهدافها ، لا يمكن تغيير نتائجها بالإصرار على النهج نفسه ، ولا تحويل الخسائر إلى انتصارات عبر افتعال أزمات جديدة . فمواصلة المواجهة من دون مراجعة أسبابها ونتائجها لا تؤدي إلا إلى مضاعفة الخسائر وتحميل لبنان أعباء إضافية .
إنها مغامرات دونكيشوتية ، تقوم على إنكار الواقع ومواصلة معركة لم تعد نتائجها تتناسب مع الأثمان التي دفعها لبنان . فحين يعجز السلاح عن تحقيق أهدافه في الخارج ، لا يجوز تحويل الداخل إلى ساحة بديلة لفرض الشروط أو استعادة النفوذ والاعتبار ، ولا أن يصبح أمن اللبنانيين واستقرارهم ثمناً لإخفاقات سياسية وعسكرية .
وإذا ثبت أن تهريب المواد المتفجرة يستهدف الداخل اللبناني ، فإن الأمر يتجاوز مجرد نقل مواد إلى مسألة تمس أمن المواطنين وهيبة الدولة . فلبنان الذي لم يتعافَ بعد من آثار الحروب والأزمات لا يحتمل ممارسات تعيد إليه الخوف والمواجهات ، أو تهدد ما تبقى من استقراره .
والأخطر أن يتحول الخلاف على السلاح إلى وسيلة لتعطيل تطبيق القانون ، فتصبح ممارسة الدولة لصلاحياتها موضع اعتراض وحساسية ، فيما يُطلب من اللبنانيين التعايش مع ممارسات تهدد أمنهم . عندها تنقلب الأولويات ، وتصبح الدولة مطالبة بتبرير ممارسة صلاحياتها ، بدلاً من أن يكون المطلوب من الجميع احترام القانون والخضوع له .
لقد دفع لبنان أثماناً باهظة نتيجة حروب لم يكن قرارها بيد الدولة ، ولا يجوز أن يتحمل خسائر إضافية لتعويض نتائج قرارات اتُّخذت خارج مؤسساتها .
فالمسؤولية الوطنية تقتضي مراجعة التجارب والتعلم من نتائجها ، لا الزجّ بلبنان في مواجهة جديدة هرباً من الاعتراف بالإخفاق وتحمل مسؤولية الخسائر التي ترتبت عليه .
إن الاعتبار لا يُستعاد بتوتير الداخل ، والنفوذ لا يُستعاد بتهديد الاستقرار ، كما لا تقوم الشرعية على سلاح خارج سلطة الدولة . واستعادة الثقة تبدأ بالاعتراف بالوقائع ، واحترام المؤسسات ، وإخضاع الجميع للقانون ، ووضع مصلحة لبنان فوق حسابات الأحزاب والمحاور .
فلبنان ليس ساحة لتعويض الخسائر ، وشعبه ليس وقوداً لمعارك لا يملك قرارها . وما يحتاج إليه اليوم ليس مغامرة جديدة ، بل دولة تملك قرار الحرب والسلم ، وتحاسب وتحمي جميع اللبنانيين ، من دون استثناء أو ازدواجية في تطبيق القانون .


