هـنـري زغـيـب
لا أَعرفُهُ.. وقَفَ أَمامي في جَناح “دار سائر المشرق”، وكنتُ أُوقِّع للأَصدقاء على نُسَخ كتابي الجديد “جبران أَيضًا وأَيضًا”.. بادَرَني بفَوقيَّة كاريكاتوريَّة: “كمان جبران؟؟ ما شْـبعنا بَعد من الحكي عن جبران؟ اكتبلَك شي بالسياسِه ينفع الناس”.. استأْذَنْتُ ممَّن حولي، ورَشَقْتُهُ بالآتي:
طوال 191 سنة، بقيَت بْريطانيا العُظمى مسيطرةً على الهند في مرحلتَيْن متتاليَتَيْن:
المرحلة الأُولى طيلة قرنٍ كامل (1757- 1858) بنُفوذها على “شركة الهند الشرقية البْريطانية” التي أَدارت البلاد بعد انتصار قواتها على حاكم البنغال في معركة “پْلاسِّي” (1757).. وبعد قرن وعامٍ (1858) اندلعَت ثورة الهند ضدَّ سياسة “الشركة”، فأَلغَتْها الحكومةُ البْريطانية لسُوء إِدارتها التي أَدَّت إِلى الثورة، وأَصدر الپرلُمان البْريطاني قانونًا بتصفيتها جعَلَ الحكْمَ مباشرةً بإِدارة لندن..
المرحلة الأُخرى طيلةَ 89 سنة (1858-1947)، بصدور “قانون حكومة الهند” الذي نَقَلَ السُلطة من “الشركة” إِلى “التاج البريطاني”، فَضَمَّت بْريطانيا الهندَ إِلى أَمبْراطوريتها الواسعة..
حين بنجامين ديزْرايـيلِّي (1804-1881) تولَّى رئاسة الحكومة البْريطانية (1874-1880)، وكان مقرَّبًا جدًّا من الملكة ڤيكتوريا (1919-1901)، دشَّنَ “قانون الأَلقاب الملَكية” سنة 1876 بإِعلانه الملكةَ ڤيكتوريا رسميًّا “أَمبْراطورةَ الهند”، وتَمَّ تتويجُها في مدينة دلْهي الهندية سنة 1877.. كما أَنشَأَ منصبَ “نائب الملك”(Viceroy) لإِدارة البلاد.. وطيلةَ تسعة عقود (89 سنة) ظلَّت الهند مستَعمَرةً تابعةً للأَمبْراطورية البْريطانية، ولقَبُها “الهندُ: دُرَّة التاج البْريطاني”..
بعد 71 سنة، تَعاظَمت الثورة الهندية ضدَّ الحكْم البْريطاني، قادَها زعماء تاريخيُّون مؤَثِّرون، أَبرزُهم “الماهاتْما غاندي” (زعيمُ الثورةِ الروحيُّ ورائدُ مبدإِ اللاعنف) وجواهر لال نهرو وآخَرون، فضعُفَ الحكْم البْريطاني.. وفي 3 حزيران 1947 أَعلن آخرُ حاكمٍ عامٍّ بْريطاني (اللورد لويس ماونْتْباتِن) عن تقسيمِ شبه القارَّة الهندية إِلى دولتَيْن مستقلَّتَين: الهند وپاكستان، ونهايةِ الاستعمار البْريطاني عليهما.. إِذًا: دامَ حكْم التاج البْريطاني على الهند من 1858 إِلى 1947 عند إِعلان استقلالها رسميًّا يوم 15 آب بانتخاب جواهر لال نهرو “أَولَ رئيسٍ لحكومةِ الهند المستقلَّة”.. هكذا خسِرَت بْريطانيا حكْمَها على الهند “دُرَّة التاج البْريطاني”..
سنة 1878، في أَوج تَوسُّع استعمار الأَمبْراطورية البْريطانية واشتداد الحركات الثورية الهندية ضدَّ سياسة بْريطانيا القلقة من خسارة سيطرتها على الهند الْكانت تُطالِب بالانفصال عنها، يُروى أَنْ سُئِلَ ديزرايـيلِّي رئيسُ الحكومة: “لو خيَّروكَ بين خسارة الهند أَو خسارة شكسپير، فبِمَ تُجيب”؟ أَجابَ فورًا: “أَخسَر الهند ولا أَخسَر شكسپير”.. تلك العبارةُ البليغةُ خلَّدَت بعضَ شهرة ديزراييلِّي الذي بجوابه أَكَّد أَنَّ الأَمبْراطوريات والبلدان المستعْمِرة يجيْءُ يومٌ تَزول فيه، بينما الإِرثُ الفكْري والأَدبي والتراثي يبقى خالدًا يَسِمُ مجدَ الوطن.. وفعلًا: استعمارُ بْريطانيا بلادَ الهندِ زال، وما زال إِرثُ شكسپير حيًّا، ينتقل من جيلٍ إِلى جيلٍ ومن عصرٍ إِلى عصرٍ ومن قرنٍ إِلى قرن، لا يزول، ولن..
وسْمٌ آخَر: ذاتَ يومٍ سُئِل الرئيسُ الفْرنسي شارل ديغول عن جعْلِهِ في جلسات الحكومة وزيرَ الثقافة الكاتبَ أَندريه مالرو يجلس إِلى يمينه فيما هذا مَقْعدُ رئيس الحكومة.. أَجاب الرئيسُ المعتزُّ بتُراث وطنه: “بل أَنا أَجلسُ إِلى يَساره.. رئيسُ الجمهورية يتغيَّر، ومثلُه رئيسُ الحكومة.. لكنَّ الأَديب ثابتٌ لا يتغيَّر، ويبقى دائمَ الحضور في حاضر الوطن ومستقبله”..
كنتُ أَتحدَّث لا لسائلي وحدَه، بل لجميع الزُوَّار حولي في جَناح “دار سائر المشرق”. وإِذ انتهيتُ من حديثي، تفرَّسْتُ في عينَي ذاك الذي سأَلني “ممغُوصًا” عن ديمومة “الحكي عن جبران”، فإِذا به يَقْلب شفتَيْه غباءً وجهْلًا وأُمِّيَّةً، ويقول وهو يغادر الجمْع حولي: “هيدا حكي شِعر ما بينْفَع”.
سأَلْتُ عنه ضيفًا كان حدِّي.. أَجابني أَنه “زلْمة واحد سياسي”.. فلَعنْتُ الدقائق التي صرَفْتُها في حديثي إِليه.


